ابن كثير

16

البداية والنهاية

علمتم أحدا من أهل الصلاح والدين يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته . أيها الناس ! إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ( 1 ) ، إنما الطاعة طاعة الله فمن أطاع الله فأطيعوه ما أطاع الله ، فإذا عصى أو دعا إلى معصية فهو أهل أن يعصى ولا يطاع ، بل يقتل ويهان ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم . وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن إمرة العراق لما ظهر منه من الحنق على اليمانية ، وهم قوم خالد بن عبد الله القسري ، حتى قتل الوليد بن يزيد ، وكان قد سجن غالب من ببلاده منهم ، وجعل الأرصاد على الثغور خوفا من جند الخليفة ، فعزله عنها أمير المؤمنين يزيد بن الوليد ، وولى عليها منصور بن جمهور مع بلاد السند وسجستان وخراسان ، وقد كان منصور بن جمهور أعرابيا جلفا ، وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية ، ولكن كانت له آثار حسنة ، وعناء كثير في مقتل الوليد بن يزيد ، فحظي بذلك عند يزيد بن الوليد ، ويقال إنه لما فرغ الناس من الوليد ذهب من فوره إلى العراق فأخذ البيعة من أهلها . إلى يزيد ، وقرر بالأقاليم نوابا وعمالا وكر راجعا إلى دمشق في آخر رمضان ، فلذلك ولاه الخليفة ما ولاه والله أعلم . وأما يوسف بن عمر فإنه فر من العراق فلحق ببلاد البلقاء ، فبعث إليه أمير المؤمنين يزيد فأحضره إليه ، فلما وقف بين يديه أخذ بلحيته - وكان كبير اللحية جدا ، ربما كانت تجاوز سرته وكان قصير القامة - فوبخه وأنبه ثم سجنه وأمر باستخلاص الحقوق منه . ولما انتهى منصور بن جمهور إلى العراق قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إليهم في كيفية مقتل الوليد ، وأن الله أخذه أخذ عزيز مقتدر ، وأنه قد ولى عليهم منصور بن جمهور لما يعلم من شجاعته ومعرفته بالحرب ، فبايع أهل العراق ليزيد بن الوليد ، وكذلك أهل السند وسجستان . وأما نصر بن سيار نائب خراسان فإنه امتنع من السمع والطاعة لمنصور بن جمهور ، وأبى أن ينقاد لأوامره ، وقد كان نصر هذا جهز هدايا كبيرة للوليد بن يزيد فاستمرت له . وفي هذه السنة كتب مروان الملقب بالحمار كتابا إلى عمر بن يزيد أخي الوليد بن يزيد ، يحثه على القيام بطلب دم أخيه الوليد ، وكان مروان يومئذ أميرا على أذربيجان وأرمينية ، ثم إن يزيد بن الوليد عزل منصور بن جمهور عن ولاية العراق وولى عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، وقال له : إن أهل العراق يحبون أباك فقد وليتكها ، وذلك في شوال ، وكتب له إلى أمراء الشام الذين بالعراق يوصيهم به خشية أن يمتنع منصور بن جمهور من تسليم البلاد إليه ، فسلم إليه وسمع وأطاع وسلم . وكتب الخليفة إلى نصر بن سيار باستمراره بولاية خراسان مستقلا بها ، فخرج عليه رجل يقال له الكرماني ، لأنه ولد بكرمان ، وهو أبو علي جديع بن علي بن شبيب المعني ، واتبعه خلق كثير بحيث أنه كان يشهد الجمعة في نحو من

--> ( 1 ) زيد في الطبري : ولا وفاء له بنقض عهد .