ابن كثير
150
البداية والنهاية
يكون الموت يأتيك صباحا أو مساء . ثم قال : أوه أوه ! ثم خر مغشيا عليه . وكان يقول : ما لنا نشكو ففرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا . ثم يقول : ثكلت عبدا أمه أحب الدنيا ونسي ما في خزائن مولاه وقال : إذا كنت بالليل نائما وبالنهار هائما وفي المعاصي دائما فكيف ترضى من هو بأمورك قائما . ورآه بعض أصحابه وهو بمسجد بيروت وهو يبكي ويضرب بيديه على رأسه ، فقال : ما يبكيك ؟ فقال : ذكرت يوما تتقلب فيه القلوب والابصار . وقال : إنك كلما أمعنت النظر في مرآة التوبة بان لك قبح شين المعصية . وكتب إلى الثوري : من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ، ومن أطلق بصره طال أسفه ، ومن أطلق أمله ساء عمله ، ومن أطلق لسانه قتل نفسه . وسأله بعض الولاة من أين معيشتك ؟ فأنشأ يقول : نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات : لما توعد الدنيا به من شرورها * يكون بكاء الطفل ساعة يوضع وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأروح مما كان فيه وأوسع إذا أبصر الدنيا استهل كأنما * يرى ما سيلقى من أذاها ويسمع وكان يتمثل أيضا : رأيت الذنوب تميت القلوب * ويورثها الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها وما أفسد الدين إلا ملوك * وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس فلم يربحوا * ولم يغل بالبيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة * تبين لذي اللب أنتانها وقال : إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك ، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك ، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل ، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك ، واقطع الطمع إلا من ربك . وقال : ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك ، ذم مولانا الدنيا فمدحناها ، وأبغضها فأحببناها ، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها ، ووعدكم خراب الدنيا فحصنتموها ، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها ، وأنذركم الكنوز فكنزتموها ، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها ، فأحببتم مسرعين مناديها ، خدعتكم بغرورها ، ومنتكم فانقدتم خاضعين لأمانيها تتمرغون في زهراتها وزخارفها ، وتتنعمون في لذاتها وتتقلبون في شهواتها ، وتتلوثون بتبعاتها ، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها ، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها . وشكى إليه رجل كثرة عياله فقال : ابعث