ابن كثير

147

البداية والنهاية

فيوقف بين يدي الله فيقول له : يا عبدي مالك لم تحج ؟ فيقول : يا رب لم تعطني شيئا أحج به . فيقول الله : صدق عبدي اذهبوا به إلى الجنة . وقال أقمت بالشام أربعا وعشرين سنة لم أقم بها لجهاد ولا رباط إنما نزلتها لأشبع من خبز حلال . وقال : الحزن حزنان حزن لك وحزن عليك ، فحزنك على الآخرة لك . وحزنك على الدنيا وزينتها عليك . وقال : الزهد ثلاثة ، واجب ، ومستحب ، وزهد سلامة ، فأما الواجب فالزهد في الحرام ، والزهد عن الشهوات الحلال مستحب ، والزهد عن الشبهات سلامة . وكان هو وأصحابه يمنعون أنفسهم الحمام والماء البارد والحذاء ولا يجعلون في ملحهم أبزارا ، وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيب رمى بطيبها إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون . وقال : قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع ، وكثرة الحرص والطمع تورث الغم والجزع . وقال له رجل : هذه جبة أحب أن تقبلها مني . فقال : إن كنت غنيا قبلتها ، وإن كنت فقيرا لم أقبلها . قال : أنا غني . قال : كم عندك ؟ قال : ألفان . قال : تود أن تكون أربعة آلاف ؟ قال : نعم ، قال فأنت فقير ، لا أقبلها منك . وقيل له : لو تزوجت ؟ فقال : لو أمكنني أن أطلق نفسي لطلقتها . ومكث بمكة خمسة عشر يوما لا شئ له ولم يكن له زاد سوى الرمل بالماء ، وصلى بوضوء واحد خمس عشرة صلاة ، وأكل يوما على حافة الشريعة ( 1 ) كسيرات مبلولة بالماء وضعها بين يديه أبو يوسف الغسولي ، فأكل منها ثم قام فشرب من الشريعة ثم جاء واستلقى على قفاه وقال : يا أبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش . فقال له أبو يوسف : طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم . فتبسم إبراهيم وقال : من أين لك هذا الكلام ؟ وبينما هو بالمصيصة ( 2 ) في جماعة من أصحابه إذ جاءه راكب فقال : أيكم إبراهيم بن أدهم ؟ فأرشد إليه ، فقال : يا سيدي أنا غلامك ، وإن أباك قد مات وترك مالا هو عند القاضي ، وقد جئتك بعشرة آلاف درهم لتنفقها عليك إلى بلخ ، وفرس وبغلة . فسكت إبراهيم طويلا ثم رفع رأسه فقال : إن كنت صادقا فالدراهم والفرس والغلة لك ، ولا تخبر به أحدا . ويقال : إنه ذهب بعد ذلك إلى بلخ وأخذ المال من الحاكم وجعله كله في سبيل الله . وكان معه بعض أصحابه فمكثوا شهرين لم يحصل لهم شئ يأكلونه ، فقال له إبراهيم : ادخل إلى هذه الغيضة - وكان ذلك في يوم شات - قال : فدخلت فوجدت شجرة عليها خوخ كثير فملأت منه جرابي ثم خرجت ، فقال : ما معك ؟ قلت : خوخ . فقال : يا ضعيف اليقين ! لو صبرت لوجدت رطبا جنيا ، كما رزقت مريم بنت عمران . وشكا إليه بعض أصحابه الجوع فصلى ركعتين فإذا حوله دنانير كثيرة فقال لصاحبه : خذ منها دينارا ، فأخذه واشترى لهم به طعاما . وذكروا أنه كان يعمل

--> ( 1 ) وكان ذلك على نهر الأردن وهو بطريقه إلى الإسكندرية . صفة الصفوة 4 / 153 . ( 2 ) المصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس والمصيصة أيضا قرية من قرى دمشق قرب بيت لهيا ( معجم البلدان ) والرواية في صفة الصوفة 4 / 156 باختلاف .