ابن كثير
140
البداية والنهاية
لاحضاره إليه ، وأمر كل واحد منهم أن يحمل طبلا ، فإذا واجهوا الكوفة عند إضاءة الفجر ضرب كل واحد منهم على طبله ، ففعلوا ذلك فارتجت الكوفة ، وخاف عيسى بن موسى ، فلما انتهوا إليه دعوه إلى حضرة الخليفة فأظهر أنه يشتكي ، فلم يقبلوا ذلك منه بل أخذوه معهم فدخلوا به على الخليفة في يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة ، فاجتمع عليه وجوه بني هاشم والقضاة والأعيان وسألوه في ذلك وهو يمتنع ، ثم لم يزل الناس به بالرغبة والرهبة حتى أجاب في يوم الجمعة ( 1 ) لأربع مضين ( 2 ) من المحرم بعد العصر . وبويع لولدي المهدي موسى وهارون الرشيد صباحة يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم وجلس المهدي في قبة عظيمة في إيوان الخلافة ، ودخل الأمراء فبايعوا ثم نهض فصعد المنبر وجلس ابنه موسى الهادي تحته ، وقام عيسى بن موسى على أول درجة ، وخطب المهدي فأعلم الناس بما وقع من خلع عيسى بن موسى نفسه وأنه قد حلل الناس من الايمان التي له في أعناقهم وجعل ذلك إلى موسى الهادي . فصدق عيسى بن موسى ذلك وبايع المهدي على ذلك . ثم نهض الناس فبايعوا الخليفة على حسب مراتبهم وأسنانهم ، وكتب على عيسى بن موسى مكتوبا مؤكدا بالايمان البالغة من الطلاق والعتاق ( 3 ) ، وأشهد عليه جماعة الأمراء والوزراء وأعيان بني هاشم وغيرهم وأعطاه ما ذكرنا من الأموال وغيرها . وفيها دخل عبد الملك بن شهاب المسمعي مدينة بإربد من الهند في جحفل كبير فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق ، ورموها بالنفط فأحرقوا منها طائفة ، وهلك بشر كثير من أهلها ، وفتحوها عنوة وأرادوا الانصراف فلم يمكنهم ذلك لاعتلاء البحر ، فأقاموا هنالك فأصابهم داء في أفواههم يقال له حمام قر فمات منهم ألف نفس منهم الربيع بن صبيح ، فلما أمكنهم المسير ركبوا في البحر فهاجت عليهم ريح فغرق طائفة أيضا ، ووصل بقيتهم إلى البصرة ومعهم سبي كثير ، فيهم بنت ملكهم . وفيها حكم المهدي بإلحاق ولد أبي بكرة الثقفي إلا ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نسبهم من ثقيف ، وكتب بذلك كتابا إلى والي البصرة ( 4 ) . وقطع نسبه من زياد ومن نسب نافع ففي ذلك يقول بعض الشعراء وهو خالد النجار : إن زيادا ونافعا وأبا * بكرة عندي من أعجب العجب ذا قرشي كما يقول وذا * مولى وهذا بزعمه عربي وقد ذكر ابن جرير أن نائب البصرة لم ينفذ ذلك .
--> ( 1 ) في الطبري 9 / 332 : يوم الأربعاء . ( 2 ) في الطبري 9 / 332 وفي ابن الأثير 6 / 45 : بقين . ( 3 ) نسخة الكتاب في الطبري ج 9 / 333 . وأشهد عليه أربعمائة وثلاثون من بني هاشم ومن الموالي والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة . ( 4 ) نسخة الكتاب في تاريخ الطبري 9 / 335 .