ابن كثير

136

البداية والنهاية

فقال المنصور : هذا أوان حضور أجلي وانقضاء عمري . وكان قد رأى قبل ذلك في قصره الخلد الذي بناه وتأنق فيه مناما أفزعه فقال للربيع : ويحك يا ربيع ! لقد رأيت مناما هالني ، رأيت قائلا وقف في باب هذا القصر وهو يقول : كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه أهله ( 1 ) ومنازله وصار رئيس ( 2 ) القصر من بعد بهجة * إلى جدث يبني عليه ( 3 ) جنادله فما أقام في الخلد إلا أقل من سنة حتى مرض في طريق الحج ، ودخل مكة مدنفا ثقيلا . وكانت وفاته ليلة السبت لست وقيل لسبع مضين من ذي الحجة ، وكان آخر ما تكلم به أن قال : اللهم بارك لي في لقائك . وقيل : إنه قال يا رب إن كنت عصيتك في أمور كثيرة فقد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مخلصا . ثم مات . وكان نقش خاتمه . الله ثقة عبد الله وبه يؤمن . وكان عمره يوم وفاته ثلاثا وستين سنة على المشهور ، منها ثنتان وعشرون سنة خليفة . ودفن بباب المعلاة رحمه الله . قال ابن جرير : ومما رثي به قول سلم الخاشر الشاعر : عجبا للذي نعى الناعيان * كيف فاهت بموته الشفتان ملك أن عدا ( 4 ) على الدهر يوما * أصبح الدهر ساقطا للجران ليت كفا حثت عليه ترابا * لم تعد في يمينها ببنان حين دانت له البلاد على العسف * وأغضى من خوفه الثقلان أين رب الزوراء قد قلدته * الملك عشرين حجة واثنتان إنما المرء كالزناد إذا ما * أخذته قوادح النيران ليس يثني هواه زجر ولا يقدح * في حبله ذوو الأذهان قلدته أعنة الملك حتى * قاد أعداءه بغير عنان يكسر الطرف دونه وترى الأيدي * من خوفه على الأذقان ضم أطراف ملكه ثم أضحى * خلف أقصاهم ودون الداني هاشمي التشمير لا يحمل الثقل * على غارب الشرود الهدان ذو أناة ينسى لها الخائف الخوف * وعزم يلوي بكل جنان

--> ( 1 ) في الطبري 10 / 12 وابن الأثير 6 / 81 ومروج الذهب 3 / 395 : ربعه . وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 402 : ركنه ( 2 ) في المراجع : عميد . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير ومروج الذهب : وملك إلى قبر عليه . . . وبعده في المراجع : فلم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي عليه معولات حلائله ( 4 ) في الطبري 9 / 318 : غدا .