ابن كثير

128

البداية والنهاية

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي قال : كنت جالسا عند الثوري فجاءه رجل فقال : رأيت كأن ريحانة من الغرب - يعني قلعت - قال : إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي . فكتبوا ذلك فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم . وقال أبو مسهر : بلغنا أن سبب موته أن امرأته أغلقت عليه باب حمام فمات فيه ، ولم تكن عامدة ذلك ، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة . قال : وما خلف ذهبا ولا فضة ولا عقارا ، ولا متاعا إلا ستة وثمانين ( 1 ) ، فضلت من عطائه . وكان قد اكتتب في ديوان الساحل . وقال غيره : كان الذي أغلق عليه باب الحمام صاحب الحمام ، أغلقه وذهب لحاجة له ثم جاء ففتح الحمام فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة رحمه الله . قلت : لا خلاف أنه مات ببيروت مرابطا ، واختلفوا في سنه ووفاته ، فروى يعقوب بن سفيان عن سلمة قال : قال أحمد : رأيت الأوزاعي وتوفي سنة خمسين ومائة . قال العباس بن الوليد البيروتي : توفي يوم الأحد أول النهار لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين ومائة ، وهو الذي عليه الجمهور وهو الصحيح ، وهو قول أبي مسهر وهشام بن عمار والوليد بن مسلم - في أصح الروايات عنه - ويحيى بن معين ودحيم وخليفة بن خياط وأبي عبيد وسعيد بن عبد العزيز وغير واحد . قال العباس بن الوليد : ولم يبلغ سبعين سنة . وقال غيره : جاوز السبعين ، والصحيح سبع وستون سنة ، لان ميلاده في سنة ثمان وثمانين على الصحيح . وقيل إنه ولد سنة ثلاث وسبعين ، وهذا ضعيف . وقد رآه بعضهم في المنام فقال له : دلني على عمل يقربني إلى الله . فقال : ما رأيت في الجنة درجة أعلا من درجة العلماء العاملين ، ثم المحزونين . ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة فيها تكامل بناء قصر المنصور المسمى بالخلد وسكنه أياما يسيرة ثم مات وتركه ، وفيها مات طاغية الروم . وفيها وجه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره بعزل موسى بن كعب عن الموصل ، وأن يولي عليها خالد بن برمك ، وكان ذلك بعد نكتة غريبة اتفقت ليحيى بن خالد ، وذلك أن المنصور كان قد غضب على خالد بن برمك ، وألزمه بحمل ثلاثة آلاف ألف ، فضاق ذرعا بذلك ، ولم يبق له مال ولا حال وعجز عن أكثرها ، وقد أجله ثلاثة أيام ، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة الأيام وإلا فدمه هدر فجعل يرسل ابنه يحيى إلى أصحابه من الأمراء يستقرض منهم ، فكان منهم من أعطاه مائة الف ، ومنهم أقل وأكثر . قال يحيى بن خالد : فبينا أنا ذات يوم من تلك الأيام الثلاثة على جسر بغداد ، وأنا مهموم في تحصيل ما طلب منا مما لا طاقة لنا به ، إذ وثب إلي زاجر من أولئك الذين يكونون عند الجسر

--> ( 1 ) راجع حاشية 1 ص 125 .