ابن كثير

109

البداية والنهاية

فصل محاسن بغداد ومساويها وما روي في ذلك عن الأئمة قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي : قال لي الشافعي : هل رأيت بغداد ؟ قلت لا ! فقال : ما رأيت الدنيا . وقال الشافعي : ما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا ، إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا . وقال بعضهم ( 1 ) : الدنيا بادية وبغداد حاضرتها . وقال ابن علية : ما رأيت أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد ، ولا أحسن دعة منهم . وقال ابن مجاهد : رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال لي : دعني من هذا ، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة . وقال أبو بكر بن عياش : الاسلام ببغداد ، وإنها لصيادة تصيد الرجال ، ومن لم يرها لم ير الدنيا . وقال أبو معاوية : بغداد دار دنيا وآخرة . وقال بعضهم : من محاسن الاسلام يوم الجمعة ببغداد ، وصلاة التراويح بمكة ، ويوم العيد بطرسوس . قال الخطيب : من شهد يوم الجمعة بمدينة السلام عظم الله في قلبه محل الاسلام ، لان مشايخنا كانوا يقولون يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد . وقال بعضهم : كنت أواظب على الجمعة بجامع المنصور فعرض لي شغل فصليت في غيره فرأيت في المنام كأن قائلا يقول : تركت الصلاة في جامع المدينة وإنه ليصلي فيه كل جمعة سبعون وليا . وقال آخر : أردت الانتقال من بغداد فرأيت كأن قائلا يقول في المنام : أتنتقل من بلد فيه عشرة آلاف ولي لله عز وجل ؟ وقال بعضهم : رأيت كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما لصاحبه : اقلبها . فقد حق القول عليها : فقال الآخر كيف أقلب ببلد يختم فيها القرآن كل ليلة خمسة آلاف ختمة ؟ وقال أبو مسهر : عن سعيد بن عبد العزيز بن سليمان بن موسى قال : إذا كان علم الرجل حجازيا وخلقه عراقيا وصلاته شامية فقد كمل . وقالت زبيدة لمنصور النمري قل شعرا تحبب فيه بغداد إلي . فقد اختار عليها الرافقة فقال : ماذا ببغداد من طيب الأفانين * ومن منازه للدنيا وللدين تحيي الرياح بها الرمضى إذا نسمت * وجوشت بين أغصان الرياحين قال : فأعطته ألفي دينار . وقال الخطيب : وقرأت في كتاب طاهر بن مظفر بن طاهر الخازن بخطه من شعره : سقى الله صوب الغاديات محلة * ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر هي البلدة الحسناء خصت لأهلها * بأشياء لم يجمعن مذكن في مصر هواء رقيق في اعتدال وصحة * وماء له طعم ألذ من الخمر

--> ( 1 ) وهو قول أبو إسحاق الزجاج : بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية .