ابن كثير

106

البداية والنهاية

منه ، وليس عنده خضره ، والعين خضرة تحب الخضرة ( 1 ) . فلم يرفع بها المنصور رأسا ثم أمر بتغيير ذلك ، ثم بعد ذلك ساق إليها الماء وبنى عندها البساتين ، وحول الأسواق من ثم إلى الكرخ . قال يعقوب بن سفيان : كمل بناء بغداد في سنة ست وأربعين ومائة ، وفي سنة سبع وخمسين حول الأسواق إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول وأمر بتوسعة الأسواق أربعين ألفا ، وبعد شهرين من ذلك شرع في بناء قصره المسمى بالخلد ، فكمل سنة ثمان وخمسين ومائة . وجعل أمر ذلك إلى رجل يقال له الوضاح ، وبنى للعامة جامعا للصلاة والجمعة لئلا يدخلوا إلى جامع المنصور ، فأما دار الخلافة التي كانت ببغداد بعد ذلك فإنها كانت للحسن بن سهل ، فانتقلت من بعده إلى بوران زوجة المأمون ، فطلبها منها المعتضد - وقيل المعتمد - فأنعمت له بها ، ثم استنظرته أياما حتى تنتقل منها فأنظرها ، فشرعت في تلك الأيام في ترميمها وتبييضها وتحسينها ، ثم فرشتها بأنواع الفرش والبسط ، وعلقت فيها أنواع الستور ، وأرصدت فيها ما ينبغي للخلافة من الجواري والخدم ، وألبستهم أنواع الملابس ، وجعلت في الخزائن ما ينبغي من أنواع الأطعمة والمأكل ، وجعلت في بعض بيوتها من أنواع الأموال والذخائر ، ثم أرسلت بمفاتيحها إليه ، ثم دخلها فوجد فيها ما أرصدته بها ، فهاله ذلك واستعظمه جدا ، وكان أول خليفة سكنها وبنى عليها سورا . ذكره الخطيب . وأما التاج فبناه المكتفي على دجلة وحوله القباب والمجالس والميدان والثريا وحير الوحوش . وذكر الخطيب صفة دار الشجرة التي كانت في زمن المقتدر بالله ، وما فيها من الفرش والستور والخدم والمماليك والحشمة الباهرة ، والدنيا الظاهرة ، وأنها كان بها إحدى عشر ألف طواشي ، وسبعمائة حاجب . وأما المماليك فألوف لا يحصون كثرة ، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في أيامهم ودولتهم التي ذهبت كأنها أحلام نوم ، بعد سنة ثلاثمائة . وذكر الخطيب دار الملك التي بالمخرم ، وذكر الجوامع التي تقام فيها الجمعات ، وذكر الأنهار والجسور التي بها ، وما كان في ذلك في زمن المنصور ، وما أحدث بعده إلى زمانه ، وأنشد لبعض الشعراء في جسور بغداد التي على دجلة : يوم سرقنا العيش فيه خلسة * في مجلس بفناء دجلة مفرد رق الهواء برقة وقدامة * فغدوت رقا للزمان المسعد فكأن دجلة طيلسان أبيض * والجسر فيها كالطراز الأسود

--> ( 1 ) في ذلك قال عبد الله بن المعتز : ببلاد فيها الركايا عليهن * أكاليل من بعوض تعوم جوها في الشتاء والصيف دخان * كثيف وماؤها محموم ويح دار الملك التي تنفخ المسك * إذا ما جرى عليه النسيم