الشيخ السبحاني
22
موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة )
شكّلت فيما بعدُ النواةُ الأُولى لنمو الفقه وتكامله على ضوء ما تصوّروه حلاً شرعياً ، وكلّما تقدم بهم الزمان أينعت تلك الشجرة الفقهية وكثرت فروعها وثمارها دون أن تصب في قالب مذهب خاص . وقبل استعراض أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا لابدّ أن نسلط الأضواء على عدّة اصطلاحات وما ينطوي عليها من معان ليتسنّى للقارئ الكريم الوقوف عليها . الفقه لغة واصطلاحاً الفقه بمعنى الفهم ، ويدلّ عليه قوله سبحانه ، حكاية عن موسى ( عليه السلام ) : ( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني * يَفْقَهُوا قَوْلِي ) ( 1 ) أي يُفهم قولي . وقال سبحانه في شأن الكفار : ( فَمالِ هؤلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) ( 2 ) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الفقه بمعنى الفهم وهو واضح لا يحتاج إلى بيان . وقد غلب إطلاقه على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في علم الدين دون غيره من العلوم ، قال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : « نضَّر اللّه امرأً سمع منّا حديثاً فحفظه حتى يُبلِّغه غيره ، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه » . ( 3 ) ومن المعلوم أنّ حديث الرسول لم يكن مختصاً بالفقه المصطلح عليه في عصورنا المتأخرة ، بل يعمُّ كلَّ ما يؤثر عن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في المجالات المختلفة . كما أنّ لفظة الفقهاء قد استعملت بمعنى الفهماء في الدّين ، روى البخاري
--> 1 . طه : 27 - 28 . 2 . النساء : 78 . 3 . ابن الأثير : جامع الأُصول : 8 / 18 ح 5848 .