الشيخ السبحاني

26

موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة )

آفاق دلالته على مقاصده ، غير انّ ثلّة من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع أنّه سبحانه يعرّف القرآن بقوله : ( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ ) . ( 1 ) وعلى ضوء ذلك لا غنى للفقيه عن دراسة آيات الأحكام دراسة معمّقة ثاقبة ، ليجد فيها الجواب على أكثر المسائل المطروحة ، ولا ينظر إليها نظرة عابرة . وقد استدل أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بالقرآن على كثير من الأحكام التي غفل عنها فقهاء عصرهم ، ونذكر هنا نموذجاً على ذلك : قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة ، فأراد أن يقيم عليه الحد ، فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : الإيمان يمحو ما قبله ، وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود . فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي ( عليه السلام ) يسأله ، فلمّا قرأ الكتاب ، كتب : « يضرب حتى يموت » . فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب إليه يسأله عن العلّة ، فكتب : بسم اللّه الرّحمنِ الرَّحيم : ( فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَه وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّت اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ) ( 2 ) . فأمر به المتوكل ، فضرب حتى مات . ( 3 ) تجد انّ الإمام الهادي ( عليه السلام ) استنبط حكم الموضوع من آية مباركة ، لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الأحكام ، غير انّ الإمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن ، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية ، وكم لها من نظير . ولو انّ القارئ الكريم جمع الروايات التي استشهد بها أئمّة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً

--> 1 . النحل : 89 . 2 . غافر : 84 - 85 . 3 . ابن شهرآشوب : مناقب آل أبي طالب : 4 / 403 - 405 .