ابن كثير
9
البداية والنهاية
حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى ( 1 ) بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال " يا رسول الله أين كان ( 2 ) ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ قال : كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ( 3 ) ثم خلق عرشه على الماء " ورواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به . ولفظه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ وباقيه سواء وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون ، وقال الترمذي حسن . واختلف هؤلاء في أيها خلق أولا ؟ فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها ، وهذا هو اختيار ابن جرير ، وابن الجوزي ، وغيرهما قال ابن جرير ، وبعد القلم السحاب الرقيق . واحتجوا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد ، وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أول ما خلق الله القلم . ثم قال له أكتب ، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " لفظ أحمد ( 4 ) . وقال الترمذي حسن صحيح غريب . والذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره ( أن العرش مخلوق قبل ذلك ) وهذا هو الذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ( 5 ) . حيث قال : حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو [ بن عبد الله بن عمرو ] بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الجيلي ( 6 ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كتب الله مقادير الخلائق ( 7 ) قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال وعرشه على الماء قالوا فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير . وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير . وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير . ويحمل حديث
--> ( 1 ) مسند أحمد ج 4 / 11 و 12 وفي الروايتين عن يعلى بن عطاء وليس أبو يعلى . ( 2 ) قوله أين كان : للسؤال عن المكانة دون المكان كما نص عليه ابن العربي في شرح الترمذي . وفي عماء أي في حجاب معنوي يحول دون العلم به فيتفق الممدود والمقصور في المعنى . قال يزيد بن هارون : عماء أي ليس معه شئ . وهو أجود ما ذكره . وحمل ( في ) على معنى ( على ) هنا لا يجدي ولا يبعد الامر عن التمكن . ( 3 ) ما تحته هواء : قال البيهقي في الأسماء : أي ما تحت السماء هواء ، والمراد بالسحاب ليس السحاب المعهود الذي فوقه هواء وتحته هواء بل المراد السحاب المعنوي والحجاب الذي يحجب عن العلم به سبحانه ( قاله ابن العربي ) . ( 4 ) مسند أحمد ج 5 / 317 . ( 5 ) 46 كتاب القدر ( 2 ) باب حجاج آدم صلى الله عليه وآله - 16 - 2653 ص 2044 . ( 6 ) عند مسلم : الحبلي . ( 7 ) كتب الله مقادير الخلائق : قال العلماء : المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره ، لا أصل التقدير . فإن ذلك أزلي لا أول له .