أبي بكر الكاشاني

379

بدائع الصنائع

أوجبت بطلان حكم ثابت في المحل وهو الملك فلان توجب بطلان مجرد كلام من غير حكم أصلا أولى ثم وجه الدلالة منها على التفصيل ان كل واحد منها تبديل العين وتصييرها شيئا آخر معنى واسما فكان استهلاكا لها من حيث المعنى فكان دليل الرجوع فصار كالمشترى بشرط الخيار إذا فعل في المبيع فعلا يدل على ابطال الخيار يبطل خياره والأصل في اعتبار الدلالة إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله للمخيرة ان وطئك زوجك فلا خيار لك ولو أوصى بقميص ثم نقضه فجعله قباء فهو رجوع لان الخياطة في ثوب غير منقوض دليل الرجوع فمع النقض أولى وان نقضه ولم يخطه لم يذكر في الكتاب واختلف المشايخ فيه والأشهر انه ليس برجوع لأن العين بعد النقض قائمة تصلح لما كانت تصلح له قبل النقض ولو باع الموصى به أو أعتقه أو أخرجه عن ملكه بوجه من الوجوه كان رجوعا لأن هذه التصرفات وقعت صحيحة لمصادفتها نفسه فأوجبت زوال الملك فلو بقيت الوصية مع وجودها لتعينت في غير ملكه ولا سبيل إليه ولو باع الموصى به ثم اشتراه أو وهبه وسلم ورجع في الهبة لا تعود الوصية لأنها قد بطلت بالبيع والهبة مع التسليم لزوال الملك والعائد ملك جديد غير موصى به فلا تصير موصى به لان بوصية جديدة ولو أوصى بعبد فغصبه رجل ثم رده بعينه فالوصية على حالها لأن الغصب ليس فعل الموصى والموصى به على حاله فبقيت الوصية الا إذا استهلكه الغاصب أو هلك في يده فتبطل الوصية لبطلان محل الوصية وكذا لو أوصى بعبد ثم دبره أو كاتبه أو باع نفسه منه كان رجوعا لان التدبير اعتاق من وجه أو مباشرة سبب لازم لا يحتمل الفسخ والنقض وكل ذلك دليل الرجوع والمكاتبة معاوضة الا أن العوض متأخر إلى وقت أداء البدل فكان دليل الرجوع كالبيع وبيع نفس العبد منه اعتاق فكان رجوعا ولو أوصى بعبد لانسان ثم أوصى أن يباع من إنسان آخر لم يكن رجوعا وكانت الوصية لهما جميعا لأنه لا تنافى بين الوصيتين لان كل واحدة منهما تمليك الا أن إحداهما تمليك بغير بدل والأخرى تمليك ببدل فيكون العبد بينهما نصفه للموصى له به ونصفه يباع للموصى له بالبيع ولو أوصى أن يعتق عبده ثم أوصى بعد ذلك أن يباع من فلان أو أوصى أولا بالبيع ثم أوصى بالاعتاق كان رجوعا لما بين الوصيتين من التنافي إذ لا يمكن الجمع بين الاعتاق والبيع فكان الاقدام على الثانية دليل الرجوع عن الأولى وهذا هو الأصل في جنس هذه المسائل انه إذا أوصى بوصيتين متنافيتين كانت الثانية مبطلة للأولى وهو معنى الرجوع وإن كانتا غير متنافيتين نفذتا جميعا ولو أوصى بشاة ثم ذبحها كان رجوعا لان الملك في باب الوصية يثبت عند الموت والشاة المذبوحة لا تبقى إلى وقت الموت عادة بل تفسد فكان الذبح دليل الرجوع ولو أوصى بثوب ثم غسله أو بدار ثم جصصها أو هدمها لم يكن شئ من ذلك رجوعا لان الغسل إزالة الدرن والوصية لم تتعلق به فلم يكن الغسل تصرفا في الموصى به وتجصيص الدار ليس تصرفا في الدار بل في البناء لان الدار اسم للعرصة والبناء بمنزلة الصفة فيكون تبعا للدار والتصرف في التبع لا يدل على الرجوع عن الأصل ونقض البناء تصرف في البناء والبناء صفة وانها تابعة ولو أوصى لرجل أن يشترى له عبدا بعينه ثم رجع العبد إلى الموصى بهبة أو صدقة أو وصية أو ميراث فالوصية لا تبطل ويجب تنفيذها لان الوصية ما وقعت بثمن العبد بل بعين العبد وهو مقصود الموصى وإنما ذكر الشراء للتوسل به إلى ملكه وقد ملكه فتنفذ فيه الوصية ولو أوصى به بشئ لانسان ثم أوصى به لآخر فجملة الكلام فيه انه إذا أعاد عند الوصية الثانية الوصية الأولى والموصى له الثاني محل قابل للوصية كان رجوعا وكان اشراكا في الوصية وبيان هذه الجملة إذا قال أوصيت بثلث مالي لفلان ثم قال أوصيت بثلث مالي لفلان آخر ممن تجوز له الوصية فالثلث بينهما نصفان وكذا لو قال أوصيت بهذا العبد لفلان وهو يخرج من الثلث ثم قال أوصيت به لفلان آخر ممن تجوز له الوصية كان العبد بينهما نصفين ولو قال أوصيت بثلث مالي لفلان أو بعبدي هذا لفلان ثم قال الذي أوصيت به لفلان أو العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعا عن الأولى وامضاء للثانية وإنما كان كذلك لان الأصل في الوصية بشئ لانسان ثم الوصية به لآخر هو الاشراك لان فيه عملا بالوصيتين بقدر الامكان والأصل في تصرف العاقل صيانته عن الابطال ما أمكن وفى الحمل على الرجوع ابطال احدى الوصيتين من كل وجه وفى الحمل على