أبي بكر الكاشاني
343
بدائع الصنائع
الوصية ثم إذا صحت الوصية فالأفضل للوصي أن يعطى الثلث لمن يقرب إليه منهم فان جعله في واحد فما زاد جاز عند أبي حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا يجوز الا ان يعطى اثنين منهم فصاعدا ولا يجوز أن يعطى واحد الا نصف الوصية وبيان هذه الجملة في مسائل إذا أوصى بثلث ماله للمسلمين لم تصح لان المسلمين لا يحصون وليس في لفظ المسلمين ما ينبئ عن الحاجة فوقعت الوصية تمليكا من مجهول فلم تصح ولو أوصى لفقراء المسلمين أو لمساكينهم صحت الوصية لأنهم وإن كانوا لا يحصون لكن عندهم اسم الفقير والمسكين ينبئ عن الحاجة فكانت الوصية لهم تقربا إلى الله تبارك وتعالى طلبا لمرضاته لا لمرضاة الفقير فيقع المال لله تعالى عز وجل ثم الفقراء يتملكون بتمليك الله تعالى منهم والله سبحانه وتعالى عز شأنه واحد معلوم ولهذا كان ايجاب الصدقة من الله سبحانه وتعالى من الأغنياء على الفقراء صحيحا وإن كانوا لا يحصون وإذا صحت الوصية فلو صرف الوصي جميع الثلث إلى فقير واحد جاز عند أبي حنيفة وأبى يوسف وقال محمد لا يجوز الا ان يعطى منهم اثنين فصاعدا ولا يجوز أن يعطى واحدا منهم الا نصف الثلث وجه قول محمد ان الفقراء اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة الا أنه أقام الدليل على أن لاثنين من باب الوصية يقومان مقام الثلاث لان الوصية أخت الميراث والله تعالى أقام الثنتين من البنات مقام الثلاث منهن في استحقاق الثلثين وكذا الاثنان من الاخوة والأخوات يقومان مقام الثلاث في نقص حق الام من الثلث إلى السدس ولا دليل على قيام الواحد مقام الجماعة مع ما ان الجمع مأخوذ من الاجتماع وأقل ما يحصل به الاجتماع اثنان ومراعاة معنى الاسم واجب ما أمكن ولهما ان هذا النوع من الوصية وصية بالصدقة وهي الزام المال حقا لله تبارك وتعالى وجنس الفقراء مصرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق المالية فكان ذكر الفقراء لبيان المصرف لا لايجاب الحق لهم فيجب الحق لله تبارك وتعالى ثم يصرف إلى من ظهر رضا الله سبحانه وتعالى بصرف حقه المال إليه وقد حصل بصرفه إلى فقير واحد ولهذا جاز صرف ما وجب من الصدقات الواجبة بايجاب الله عز وجل إلى فقير واحد وإن كان المذكور بلفظ الجماعة بقوله تبارك وتعالى إنما الصدقات للفقراء وقد خرج الجواب عما ذكره محمد رحمه الله على أن مراعاة معنى الجمع أنما تجب عند الامكان فاما عند التعذر فلا بل يحمل اللفظ على مطلق الجنس كما في قوله والله لا أتزوج النساء وقوله إن كلمت بني آدم أو ان اشتريت العبيد انه يحمل على الجنس ولا يراعى فيه معنى الجمع حتى يحنث بوجود الفعل منه في واحد من الجنس وههنا لا يمكن اعتبار معنى الجمع لان ذلك مما لا غاية له ولا نهاية فيحمل على الجنس بخلاف ما إذا أوصى لمواليه وله مولى واحد انه لا يصرف كل الثلث إليه بل نصفه لان هناك ما التزم المال حقا لله تعالى عز وجل بل ملكه للموالي وهو اسم جمع فلابد من اعتباره وكذا ذلك الجمع له غاية ونهاية فكان اعتبار معنى الجمع ممكنا فلا ضرورة إلى الحمل على الجنس بخلاف جمع الفقراء وكذلك لو أوصى لفقراء بنى فلان دون أغنيائهم وبنو فلان قبيلة لا تحصى ولا يحصى فقراؤهم فالوصية جائزه لما قلنا بل أولى لأنه لما صحت الوصية لفقراء المسلمين مع كثرتهم فلان تصح لفقراء القبيلة أولى فإن لم يقل لفقرائهم ولكنه أوصى لبنى فلان ولم يزد عليه فهذا لا يخلو من أحد وجهين ( اما ) إن كان فلان أبا قبيلة ( واما ) ان لم يكن أبا قبيله بل هو رجل من الناس يعرف بأبى فلان فإن كان أبا قبيلة مثل تميم وأسد ووائل فإن كان بنوه يحصون جازت الوصية لهم لأنهم إذا كانوا يحصون فقد قصد الموصى تمليك المال منهم لا الاخراج إلى الله تعالى فكان الموصى له بالثلث معلوما فتصح الوصية له كما لو أوصى لأغنياء بنى فلان وهم يحصون ويدخل فيه الذكور والإناث لان الإضافة إلى أب القبيلة إضافة النسبة كالإضافة إلى القبيلة ألا يرى أنه يصح أن يقال هذه المرأة من بنى تميم كما يصح ان يقال هذا الرجل من بنى تميم فيدخل فيه كل من ينتسب إلى فلان ذكرا كان أو أنثى غنيا كان أو فقيرا لأنه ليس في اللفظ ما ينبئ عن الحاجة وصار كما لو أوصى لقبيلة فلان ولو كان لبنى فلان موالي عتاقة يدخلون في الوصية وكذا موالي مواليهم وحلفائهم وعبيدهم وكذا لو كان لهم موالي الموالاة لما ذكرنا أن المراد من قوله بنى فلان إذا كان فلان أبا قبيلة هو القبيلة لا أبناؤه حقيقة فكان المراد منه المنتسبين إلى هذه القبيلة والمنتمون إليهم والحلفاء والمولى