تقرير بحث البروجردي للسيد الخميني

61

لمحات الأصول

المبحث الثالث في التعبّدي والتوصّلي كان الترتيب الطبيعيّ يقتضي بيان التعبّدي والتوصّلي وماهيّتهما وما تقتضيه كلّ منهما ، ثمّ تفريع مورد الشكّ فيهما واقتضاء الأصل عليه ، لكن المحقّق الخراسانيّ ( رحمه الله ) جعل حال الشكّ أصلاً ، وجعل بيان ماهيّتهما من مقدّماته ( 1 ) . وكيف كان ، فهاهنا اُمور : الأمر الأوّل : في تعريفهما الواجب والندب التعبّديان ، ما لا يسقط الغرض منهما إلاّ بإتيانهما مرتبطين بالمولى ، ومتقرّباً بهما إليه ، سواء تعلّق بهما أمر أم لا ، فتعظيم المولى ومدحه وثناؤه ، تكون تعبّدية وإن فرض عدم تعلّق الأمر بها ، لكن لابدّ من إتيانها تقرّباً إليه تعالى ؛ لأنّ الإتيان بها لا يسقط الغرض كيفما اتّفق ، بل لابدّ وأن تكون مرتبطة بالمولى ، ومقصوداً بها حصول عناوينها . والتوصّليان منهما ما يسقط الغرض بنفس وجودهما مطلقاً ، سواء اُتي بهما تقرّباً إليه تعالى أم لا ، وسواء قصدت عناوينهما أم لا ، بل لو وجدا بلا إرادة واختيار وفي حال النوم والغفلة ، لَحَصل الغرض منهما ( 12 ) .

--> 1 - كفاية الاُصول : 94 و 98 . 12 - إنّ الواجبات بل المستحبّات في الشريعة على أقسام : أحدها : ما يحصل الغرض بها كيفما تحقّقت ؛ أي يكون المطلوب فيها نفس التحقّق والوجود بأيّ نحو حصل ، كستر العورة وإنقاذ الغريق والنظافة . ثانيها : ما لا يحصل الغرض بها إلاّ مع قصد عناوينها من غير احتياج إلى قصد التقرّب والتعبّد ، كردّ السلام وكالنكاح الواجب أو المستحبّ . ثالثها : ما لا يحصل بها بصرف قصد العناوين ، بل لابدّ في سقوط أمرها من الإتيان بها متقرّباً إلى الله تعالى . وهذا على قسمين : أحدهما : ما ينطبق عليه عنوان العبودية لله تعالى المعبّر عنه في لغة الفرس ب‍ " پرستش " ، كالصلاة والحجّ والاعتكاف . وثانيهما : ما ليس كذلك وإن كان قربياً ؛ أي يعتبر فيه قصد التقرّب والطاعة ، كالزكاة والخمس ، بل والصوم ؛ فإنّ إتيان الزكاة - مثلاً - وإن يعتبر فيه قصد التقرّب ، لكن لا تكون عبادة بالمعنى المساوق ل‍ " پرستش " ؛ ضرورة أنّ كلّ فعل قربي لا ينطبق عليه عنوان العبودية ، ألا ترى أنّه لو أطاع أحد والديه أو السلطان بقصد التقرّب إليهم ، لا تكون إطاعته عبادة لهم ، فستر العورة والاستبراء بقصد الأمر والتقرّب إلى الله ليسا عبودية له ، بل إطاعة لأمره . فالواجبات المعتبرة فيها القربة على قسمين : تعبّدي وتقرّبي ، فالأوّل ما يؤتى به لأجل عبودية الله تعالى والثناء عليه بالمعبودية ، كالصلاة التي هي أظهر مصاديقها ؛ فإنّها في الحقيقة ثناء عليه تعالى بعنوان العبودية ، بخلاف الثاني ؛ فإنّ إعطاء الزكاة إطاعة له تعالى لا ثناء عليه بالمعبودية ، فلا يجوز إتيان عمل بعنوان التعبّد لغيره تعالى بخلاف الإتيان بعنوان التقرّب . فحينئذ نقول : المراد بالواجب التعبّدي - فيما نحن فيه - هو الواجب التقرّبي بالمعنى الأعمّ من التعبّدي بالمعنى المتقدّم ، وهو ما لا يسقط الغرض بإتيانه إلاّ بوجه مرتبط إلى الله تعالى ، سواء قصد الامتثال له ، أو التقرّب إليه تعالى والتوصّلي بخلافه ، سواء سقط الغرض بإتيانه كيفما اتّفق ، أو احتاج إلى قصد العنوان . واتّضح ممّا ذكرنا وجه الخلل في تعريف التعبّدي : بأنّه الذي شرّع لأجل التعبّد به لربّه المعبّر عنه بالفارسيّة ب‍ " پرستش " ؛ فإنّ الواجبات التعبّدية بالمعنى المبحوث عنه أعمّ ممّا ذكر . ( مناهج الوصول 1 : 258 - 259 ) .