تقرير بحث البروجردي للسيد الخميني

56

لمحات الأصول

حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن أبيه ، عن أبيه أميرا لمؤمنين ( عليهم السلام ) ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " ( 1 ) لكن لا يلزم أن تكون استعمالاتهم مطابقةً لاستعمال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل يمكن أن يكون استعمالهم الأمر في الندب أكثر بكثير من استعماله فيه كما لا يخفى - أنّ الحلّ والنقض كليهما مخدوشان : أمّا الحلّ ففيه : أنّ استعمال الأمر في الندب مع القرينة المصحوبة ، ليس معناه أنّ الأمر مع القرينة يستعمل في المعنى المجازيّ ، بل معناه أنّ الأمر يستعمل بنفسه فيه ، والمعيّن لهذا الاستعمال هو القرينة ، كما هو الشأن في سائر المجازات ( 11 ) ، فإذا كان كذلك فكثرة استعمال اللّفظ فيه توجب اُنساً للذهن

--> 1 - اُنظر الكافي 1 : 42 / 14 ، وأما لي المفيد : 42 / 10 ، وبحار الأنوار 104 : 44 ، ووسائل الشيعة 18 : 58 و 69 و 74 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 8 ، الحديث 26 و 67 و 86 . 11 - والحقّ الحقيق بالتصديق هو ما اختاره بعض أجلّة العصر ( رحمه الله ) في وقايته وتبعه غيره : أنّ اللفظ في مطلق المجاز - مرسلاً كان أو استعارة أو مجازاً في الحذف ، مفرداً كان أو مركّباً - وكذا في الكناية ، مستعملٌ فيما وضع له لاغير ، لكن يكون جدّه على خلاف استعماله ، وإنّما يكون تطبيق المعنى الموضوع له على ما أراده جدّاً بادّعاء كونه مصداقه ، كما في الكلّيات ، وعينه كما في الأعلام الشخصية . فقوله : ( ما هذا بَشَراً اِنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) استعمل " الملك " في الماهية المعهودة من الروحانيين ، وإنّما حملها عليه بادّعاء كونه من مصاديقها ، فالادّعاء على مذهب السكّاكي وقع قبل الإطلاق ، فاُطلق اللفظ على المصداق الادّعائي ، دون هذا ؛ فإنّ الادّعاء بناء عليه وقع بعد الاستعمال ، وحين إجراء الطبيعة الموضوع لها اللفظ على المصداق الادّعائي ، وفي قوله : " رأيت حاتماً " اُريد ب‍ " حاتم " هو الشخص المعروف وادّعي أنّ فلاناً هو هو ، فالادّعاء لتصحيح إجراء المعنى على المعنى ، فحسن الكلام في باب المجازات إنّما هو بتبادل المعاني والتلاعب بها ، لا بعارية الألفاظ وتبادلها ، والشاهد على صحّة هذا المذهب هو الطبع السليم والذوق المستقيم . ثمّ لا وجه لتخصيص ما ذكر بالاستعارة ، بل هو جار في المجاز المرسل أيضاً ، فلا يطلق العين على الربيئة إلاّ بدعوى كونه نفس العين لكمال مراقبته ، لا بعلاقة الجزئية والكلّية ، ولا الميّت على المريض المشرف على الهلاك إلاّ بدعوى كونه ميّتاً ، والمصحّح للدعوى إشرافه عليه وانقطاع أسباب الصحّة عنه ، وفي قوله : ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ . . . ) يُدّعى كون القضية بمثابة تجيب عنها القرية والعير ، وتقدير " الأهل " فيه يحطّ الكلام من ذروة البلاغة والحسن إلى حضيض البرودة والسوقية . وكذا الحال في المجاز المركّب ، فإذا قيل : " أراك تقدّم رجلاً وتُؤخِّر اُخرى " للمتحيّر والمتردّد ، لم تستعمل الألفاظ المفردة إلاّ في معانيها الحقيقية ، لكن ادّعي كون المتردّد والمتحيّر شخصاً متمثّلاً كذلك ، وليس للمركّب وضع على حِدة بحيث كانت أجزاؤه بمنزلة حروف الهجاء في المفردات ؛ بالضرورة ولعدم الاحتياج إليه ولغويته ، حتّى يقال : إنّ اللفظ الموضوع لمعنى استعمل في غيره . ( مناهج الوصول 1 : 104 - 107 ) . هذا حال المجازات ، أمّا الأوامر فنقول : لا إشكال في حكم العقلاء كافّة على تمامية الحجّة على العبد مع صدور البعث من المولى بأيّ دالّ كان ، وقطع عذره وعدم قبوله باحتمال نقص الإرادة وعدم حتمية البعث وغير ذلك . ولا ريب في حكمهم بلزوم إطاعة الأوامر الصادرة من المولى من غير توجّه إلى التشكيك العلمي من احتمال كونه صادراً عن الإرادة غير الحتمية ، أو ناشئاً عن المصلحة غير الملزمة ، وليس ذلك للدلالة اللفظية ، أو لجهة الانصراف ، أو لاقتضاء مقدّمات الحكمة ، أو لكشفه عن الإرادة الحتمية ، بل لبناء منهم على أنّ بعث المولى لا يترك بغير جواب ، كما لا يترك باحتمال الندب ، فتمام الموضوع لحكمهم بوجوب الطاعة هو نفس البعث ما لم يرد فيه الترخيص . هذا ، من غير فرق بين ما دلّ على الإغراء والبعث ، سواء كان الدلالة بآلة الهيئة ، أو بإشارة من يده أو رأسه ، فالإغراء - بأيّ دالّ كان - هو تمام الموضوع لحكم العقلاء بتمامية الحجّة إلاّ أن يدلّ دليل على الترخيص . ( تهذيب الاُصول 1 : 110 ) . وهنا إشكال يرد على كلّ من قال بدلالة الأمر على الوجوب أو الندب بأيّ دليل تمسك ، ومن قال باستعماله فيهما حقيقة أو مجازاً ؛ إذ انتزاعهما أو اعتبارهما - على الفرق المقرّر في محلّه بين الانتزاعيات والاعتباريات - إن كان بلحاظ الإرادة الحتمية ، أو المصلحة الملزمة في الوجوب وعدمهما في الندب ، فمن البيّن أنّ ذلك من مبادئ الاستعمال ، وهو مقدّم بالطبع على الاستعمال ، وإن كان بلحاظ حتمية الطاعة أو عدمها ، فمن الواضح أنّهما منتزعتان بعد الاستعمال ، فلا يعقل الاستعمال فيهما على جميع الأقوال . ( تهذيب الاُصول 1 : 109 - 110 ) .