أبي بكر الكاشاني

223

بدائع الصنائع

لاحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر والقضاء بالحق للمدعى حال غيبة المدعى عليه قضاء لاحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر فكان منهيا عنه ولان القاضي مأمور بالقضاء بالحق قال الله تبارك وتعالى جل شأنه يا داود ان جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وقال عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص اقض بين هذين قال أقضى وأنت حاضر بينا فقال عليه الصلاة والسلام اقض بينهما بالحق والحق اسم للكائن الثابت ولا ثبوت مع احتمال العدم واحتمال العدم ثابت في البينة لاحتمال الكذب فلم يكن الحكم بالبينة حكما بالحق فكان ينبغي أن لا يجوز الحكم بها أصلا الا انها جعلت حجة لضرورة فصل الخصومات والمنازعات ولم يظهر حالة الغيبة وقد خرج الجواب عن كلامه ثم إنما لا يحوز القضاء عندنا على الغائب إذا لم يكن عنه خصم حاضر فإن كان يجوز لأنه يكون قضاء على الحاضر حقيقة ومعنى والخصم الحاضر الوكيل والوصي والوارث ومن كان بينه وبين الغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى لان الوكيل والوصي نائبان عنه بصريح النيابة والوارث نائب عنه شرعا وحضرة النائب كحضرة المنوب عنه فلا يكون قضاء على الغائب معنى وكذا إذا كان بين الحاضر والغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى بأن كان ذلك سببا لثبوت حق الغائب لان الحاضر يصير مدعى عليه فيما هو حقه ومن ضرورة ثبوت حقه ثبوت حق الغائب فكان الكل حق الحاضر لان كل ما كان من ضرورات الشئ كان ملحقا به فيكون قضاء على الحاضر حتى أن من ادعى على آخر انه أخوه ولم يدع ميراثا ولا نفقة لا تسمع دعواه لأنه دعوى على الغائب لأنه يريد اثبات نسبه من أب المدعى عليه وأمه وهما غائبان وليس عنهما خصم حاضر لأنه لم توجد الإنابة ولاحق يقضى به على الوارث ليكون ثبوت النسب من الغائب من ضروراته تبعا له فلا تسمع دعواه أصلا ولو ادعى عليه ميراثا أو نفقة عند الحاجة تسمع دعواه وتقبل بينته لأنه دعوى حق مستحق على الحاضر وهو المال ولا يمكنه اثباته الا باثبات نسبه من الغائب فينصب خصما عن الغائب ضرورة ثبوت الحق المستحق تبعا له ولهذا لو أقر بالنسب من غير دعوى المال لا يصح اقراره بخلاف ما لو ادعى على رجل انه أبوه أو ابنه انه يصح من غير دعوى المال الحاضر لأنه ليس فيه حمل نسب الغير على الغير فكان دعوى على الحاضر ألا ترى انه لو أقر به يصح اقراره بخلاف الاقرار بالاخوة وعلى هذا تخرج المسائل المخمسة وتوابعها على ما نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى ومنها عدم التناقض في الدعوى وهو أن لا يسبق منه ما يناقض دعواه لاستحالة وجود الشئ مع ما يناقضه وينافيه حتى لو أقر بعين في يده لرجل فامر القاضي بدفعها إليه ثم ادعى انه كان اشتراها منه قبل ذلك لا تسمع دعواه لان اقراره بالملك لغيره للحال يمنع الشراء منه قبل ذلك لأن الشراء يوجب الملك للمشترى فكان مناقضا للاقرار والاقرار يناقضه فلا يصح وكذا لو لم يقر ونكل عن اليمين فقضى عليه بنكوله ثم ادعى انه كان اشتراه منه قبل ذلك لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته في ظاهر الرواية لان النكول بمنزلة الاقرار وروى عن أبي يوسف أنه تسمع دعواه وتقبل بينته هذا إذا ادعى انه اشتراه منه قبل الاقرار والنكول فاما إذا ادعى انه اشتراه منه بعد ذلك تسمع دعواه بلا خلاف لان الاقرار بالملك لفلان لا يمنع الشراء منه بعد ذلك لانعدام التناقض لاختلاف الزمان ولو قال هذا لفلان اشتريته منه تسمع منه موصولا قال دلك أو مفصولا لأنه لم يسبق منه ما يناقض الدعوى بل سبق منه ما يقررها لان سابقة الملك لفلان شرط تحقق الشراء منه ولو قال هذا العبد لفلان اشتريته منه موصولا فالقياس أن لا تصح دعواه وفى الاستحسان تصح ولو قال ذلك مفصولا لا تصح قياسا واستحسانا وجه القياس أن قوله هو لفلان اقرار منه بكونه ملكا لفلان في الحال فهذا يناقض دعوى الشراء لأن الشراء يوجب كونه ملكا للمشترى فلا يصح كما إذا قال مفصولا وجه الاستحسان أن قوله هو لفلان اشتريته منه موصولا معناه في متعارف الناس وعاداتهم انه كان لفلان فاشتريته منه قال الله عز وجل واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض أي إذ كنتم قليلا إذ لم يكونوا قليلا وقت نزول الآية الشريفة فيحمل عليه تصحيحا له ولإعادة جرت في المفصول فحمل على حقيقته وهو بحقيقته مناقضة فلا تسمع هذا إذا بين انه اشتراه قبل الاقرار فان بين انه اشتراه بعده تسمع دعواه لانعدام التناقض