أبي بكر الكاشاني
197
بدائع الصنائع
كان أعطاهم النفقة معجلة هذا إذا أقر الرجل فاما إذا أنكر هما جميعا أو أقر بأحدهما دون الآخر فأقاموا البينة على ذلك لا تسمع بينتهم لأنه يكون قضاء على الغائب وله من غير أن يكون عنه وله خصم حاضر لان المودع والمضارب والغريم ليسوا خصماء عن الغائب في اثبات الزوجية وايجاب النفقة عليه وكذا الأولاد والوالدون والمرأة ليسوا خصماء للغائب في اثبات ملك المال له وكل ذلك لا يجوز فان أعطوهم شيئا فهو من أنفسهم لأنهم متطوعون في ذلك ولا ينفق من ماله على من سواهم من ذوي الأرحام لان نفقتهم ليست بعلة الجزئية والبعضية لعدمها بل بطريق الصلة والبر بهم والاحسان الا ترى انهم ليس لهم أن يمدوا أيديهم فيأخذوا من ماله عند حاجتهم إليه بخلاف الوالدين والمولودين فكان الانفاق من ماله قضاء على الغائب والأصل ان كل مال ثبت حق الاخذ منه للمنفق عليه من غير قضاء القاضي له ان ينفق منه ومالا يثبت حق الاخذ منه الا بقضاء ليس للقاضي ان ينفق منه ثم القاضي إنما ينفق من مال المفقود على ما ذكرنا إذا كان المال دراهم أو دنانير أو طعاما أو ثيابا هي من جنس كسوتها فاما إذا كان من جنس آخر من العروض والعقار فلا ينفق لأنه لا يمكنه الانفاق الا بالبيع وليس للقاضي أن يبيع العقار والعروض على الغائب بالاجماع لان البيع على الغائب في معنى الحجر عليه والحجر على الحر البالغ لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما ان جاز على الحاضر لكن لا يجوز على الغائب لان الجواز على الحاضر لدفع الظلم بالامتناع عن قضاء الدين مع القدرة على القضاء من ثمن العين ولم يتحقق الظلم منه حالة الغيبة لما لم يعرف منه الامتناع من الانفاق فافترق الحالان وإنما ملك بيع ما يتسارع إليه الفساد لان ذلك وإن كان بيعا صورة فهو حفظ وامساك له معنى والقاضي يملك حفظ مال المفقود وأما الأب فليس له أن يبيع العقار في نفقة الغائب من غير اذن القاضي بالاجماع وأما المنقول فله أن يبيعه عند أبي حنيفة من غير أمر القاضي وعندهما لا يبيع المنقول كما لا يبيع العقار لما علم في كتاب النفقات والله تعالى أعلم ( فصل ) وأما حكم ماله فهو انه إذا مضت من وقت ولادته مدة لا يعيش إليها عادة يحكم بموته ويعتق أمهات أولاده ومدبره وتبين امرأته ويصير ماله ميراثا لورثته الاحياء وقت الحكم ولا شئ لمن مات قبل ذلك ولم يقدر لتلك المدة في ظاهر الرواية تقديرا وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قدرها بمائة وعشرين سنة من وقت ولادته وذكر محمد في الأصل انه فقد رجل بصفين أو بالجمل ثم اختصم ورثته في ماله في زمن أبي حنيفة عليه الرحمة فقسم بينهم وقيل كانت وفاة سيدنا علي رضي الله عنه في سنة أربعين ووفاة أبي حنيفة رضي الله عنه في سنة مائة وخمسين وروى عن محمد رحمه الله انه قدرها بمائة سنة فإذا مضت المدة المقدرة يحكم بموته وتثبت جميع الأحكام المتعلقة بالمدة كما إذا قامت البينة على موته والله سبحانه وتعالى أعلم * ( كتاب اللقيط ) * الكلام في اللقيط في مواضع في تفسير اللقيط لغة وعرفا وفي بيان حاله وفي بيان ما يتعلق به من الأحكام أما في اللغة فهو فعيل من اللقط وهو اللقاء بمعنى المفعول وهو الملقوط وهو الملقى أو الاخذ والرفع بمعنى الملقوط وهو المأخوذ والمرفوع عادة لما انه يؤخذ فيرفع وأما في العرف فنقول هو اسم للطفل المفقود وهو الملقى أو الطفل المأخوذ والمرفوع عادة فكان تسميته لقيطا باسم العاقبة لأنه يلقط عادة أي يؤخذ ويرفع وتسمية الشئ باسم عاقبته أمر شائع في اللغة قال الله تعالى جل شأنه انى أراني أعصر خمرا وقال الله تعالى جل شأنه انك ميت وانهم ميتون سمى العنب خمرا والحى الذي يحتمل الموت ميتا باسم العاقبة كذا هذا ( فصل ) وأما بيان حاله فله أحوال ثلاث لابد من التعرف عنها حاله في الحرية والرق وحاله في النسب أما حاله في الحرية والرق فهو انه حرمن حيث الظاهر كذا روى عن سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما انهما حكما بكون اللقيط حرا ولان الأصل هو الحرية في بني آدم لان الناس كلهم أولاد سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام وحواء وهما كانا