أبي بكر الكاشاني

189

بدائع الصنائع

الصلاة والسلام الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار والشركة العامة تقتضي الإباحة الا أنه إذا جعل في إناء وأحرزه به فقد استولى عليه وهو عليه وهو غير مملوك لاحد فيصير مملوكا للمستولي كما في سائر المباحات الغير المملوكة وإذا لم يوجد ذلك بقي على أصل الإباحة الثابتة بالشرع فلا يحوز بيعه لان محل البيع هو المال المملوك وليس له أن يمنع الناس من الشفة وهو الشرب بأنفسهم وسقي دوابهم منه لأنه مباح لهم وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن منع نبع البئر وهو فضل مائها الذي يخرج منها فلهم ان يسقوا منها لشفاههم ودوابهم فاما لزروعهم وأشجارهم فله ان يمنع ذلك لما في الاطلاق من ابطال حقه أصلا الا إذا كان ذلك في أرض مملوكة فلصاحبها أن يمنعهم عن الدخول في أرضه إذا لم يضطروا إليه بان وجدوا غيره لان الدخول اضرار به من غير ضرورة فله ان يدفع الضرر عن نفسه وان لم يجدوا غيره واضطروا وخافوا الهلاك يقال له لما ان تأذن بالدخول واما ان تعطى بنفسك فإن لم يعطهم ومنعهم من الدخول لهم ان يقاتلوه بالسلاح ليأخذوا قدر ما يندفع به الهلاك عنهم والأصل فيه ما روى أو قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا وسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا فقالوا لهم أن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا فذكروا ذلك لسيدنا عمر رضي الله عنه فقال هلا وضعتم فيهم السلاح بخلاف الماء المحرز في الأواني والطعام حالة المخمصة لأن الماء هناك مملوك لصاحبه وكذا الطعام فلابد من مراعاة حرمة الملك لحرمة القتال بالسلاح ولا ملك هناك بل هو على الإباحة الأصلية على ما بينا فإذا منعه أحد ماله حق أخذه قاتله بالسلاح كما إذا منعه ماله المملوك وأما الثالث الماء الذي يكون في الأنهار التي تكون لأقوام مخصوصين فيتعلق به أحكام بعضها يرجع إلى نفس الماء وبعضها يرجع إلى الشرب وبعضها يرجع إلى النهر أما الذي يرجع إلى نفس الماء فهو انه غير مملوك لاحد لما ذكرنا أن الماء خلق مباح الأصل بالنص وإنما يأخذ حكم الملك بالاحراز بالأواني فلا يجوز بيعه لعدم الملك ولو قال اسقني يوما من نهرك على أن أسقيك يوما من نهر كذا لا يحوز لان هذا مبادلة الماء بالماء فيكون بيعا أو إجارة الشرب بالشرب وكل ذلك لا يجوز ولا تجوز اجارته لان الإجارة تمليك المنفعة لا تمليك العين بمنافعها ليست بمملوكة ولو استأجر حوضا أو بئرا ليسقى منه ماء لا يجوز لان هذا استئجار الماء وكذا لو استأجر النهر ليصيد منه السمك لان هذا استئجار السمك وكذا لو استأجر أجمة ليحتطب لان هذا استئجار الحطب والأعيان لا تحتمل الإجارة وليس لصاحب النهر أن يمنع من الشفة وهو شرب الناس والدواب وله أن يمنع من سقى الزرع والأشجار لان له فيه حقا خاصا وفى اطلاق السقي ابطال حقه لان كل أحد يتبادر إليه فيسقى منه زرعه وأشجاره فيبطل حقه أصلا ولو أذن بالسقي والنهر خاص له جاز لأنه أبطل حق نفسه وأما الذي يرحع إلى الشرب فهو أنه لا يجوز بيعه منفردا بأن باع شرب يوم أو أكثر لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي والحقوق لا تحتمل الافراد بالبيع والشراء ولو اشترى به دارا وعبدا وقبضهما لزمه رد الدار والعبد لأنه مقبوض بحكم عقد فاسد فكان واجب الرد كما في سائر البياعات الفاسدة ولا شئ على البائع بما انتفع به من الشرب ولو باع الأرض مع الشرب جاز تبعا للأرض ويجوز ان يجعل الشئ تبعا لغيره وإن كان لا يجعله مقصودا بنفسه كاطراف الحيوان ولا يدخل الشرب في بيع الأرض الا بالتسمية صريحا أو بذكر ما يدل عليه بأن يقول بعتها بحقوقها أو بمرافقها أوكل قليل وكثير هو لها داخل فيها وخارج عنها من حقوقها فإن لم يذكر شيئا من ذلك لا يدخل لان اسم الأرض بصيغته وحروفه لا يدل على الشرب ولا تجوز اجارته مفردا لان الحقوق لا تحتمل الإجارة على الانفراد كما لا تحتمل البيع وكذا لو جعله أجرة في إجارة الدار والعبد ونحو ذلك لا يجوز لان الأجرة في باب الإجارة كالثمن في باب البيع وانه لا يصلح ثمنا في البياعات فلا يصلح أجرة في الإجارات ولو أنتفع بالدار والعبد لزمه أحر مثله لأنه استوفى منفعة المعقود عليه عقدا فاسدا فيلزمه أجرة المثل كما في سائر الإجارات الفاسدة ولو استأجر الأرض مع الشرب جاز تبعا الأرض كما في البيع على ما ذكرنا ولو استأجر أرضا ولم يذكر الشرب والمسيل أصلا فالقياس أن لا يكون الشرب والمسيل كما في البيع وفى الاستحسان كانا له ويدخلا تحت