أبي بكر الكاشاني
154
بدائع الصنائع
وإلى هذا المعنى أشار محمد في الكتاب فقال كيف يؤمر باحضار شئ لو أخذه كان غاصبا وإذا سقط التكليف بالاحضار زالت الرخصة فيخاطب بقضاء الدين وكذلك إذا وضعا الرهن على يد عدل فغابا العدل بالرهن ولا يدرى أين هو لا يكلف المرتهن باحضار الرهن ويجبر الراهن على قضاء الدين لما ذكرنا ولو كان الرهن في يد المرتهن فالتقيا في بلد آخر فطالب المرتهن الراهن بقضاء دينه فإن كان الدين مما له حمل ومؤنة يجبر الراهن على قضاء الدين ولا يجبر المرتهن على احضار الرهن لما ذكرنا ان قضاء الدين واجب عليه على سبيل التضييق والتأخير إلى وقت الاحضار للضرورة التي ذكرناها عند القدرة على الاحضار من غير ضرر زائد والمرتهن هنا لا يقدر على الاحضار الا بالمسافرة بالرهن أو بنقله من مكان العقد وفيه ضرر بالمرتهن فسقط التكليف بالاحضار ولو ادعى الراهن هلاك الرهن فقال المرتهن لم يهلك فالقول قول المرتهن مع يمينه لان الرهن كان قائما والأصل في الثابت بقاؤه فالمرتهن يستصحب حالة القيام والراهن يدعى زوال تلك الحالة والقول قول من يدعى الأصل لأن الظاهر شاهد له ولان الراهن بدعوى الهلاك يدعى على المرتهن استيفاء الدين وهو منكر فكان القول قوله مع يمينه ويحلف على البتات لان يحلف على فعل نفسه وهو القبض السابق لان المرتهن لا يصير مستوفيا بالهلاك لأنه لا صنع له فيه بل بالقبض السابق وذلك فعله بخلاف ما إذا كان الرهن عند عدل فغاب بالرهن فاختلف الراهن والمرتهن في هلاك الرهن ان هناك يحلف المرتهن على العلم لا على البتات لان ذلك تحليف على فعل غيره وهو قبض العدل فتعذر التحليف على البتات فيحلف على العلم كما لو ادعى الراهن انه أو في الدين وكيل المرتهن والمرتهن ينكر انه يحلف على العلم لما ذكرنا كذا هذا وإن كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة فالقياس انه يجبر على قضاء الدين وفى الاستحسان لا يجبر ما لم يحضر المرتهن الرهن لأنه ليس في احضاره ضرر زائد وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات ولو اشترى شيئا ولم يقبضه ولم يسلم الثمن حتى لقيه البائع في غيره مصره الذي وقع البيع فيه فطالبه بالثمن وأبى المشترى حتى يحضر المبيع لا يجبر المشترى على تسليم الثمن حتى يحضر البائع المبيع سواء كان له حمل ومؤنة أولم يكن فرق بين البيع والرهن ووجه الفرق ان البيع معاوضة مطلقة والمساواة في المعاوضات المطلقة مطلوبة عادة وشريعة ولا تتحقق المساواة من غير احضار المبيع بخلاف الرهن لأنه ليس بمعاوضة مطلقة وإن كان فيه معنى المعاوضة فلا يلزم اعتبار المساواة بين المرهون والمرهون به وهو الدين في هذا الحكم ( فصل ) وأما الذي يتعلق بحال هلاك المرهون فالمرهون إذا هلك لا يخلو اما ان يهلك بنفسه واما أن يهلك بالاستهلاك فان هلك بنفسه يهلك مضمونا بالدين عندنا والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع أحدها في بيان أصل الضمان أنه ثابت أم لا والثاني في بيان شرائط الضمان والثالث في بيان قدر الضمان وكيفيته أما الأول فقد اختلف فيه قال أصحابنا رضي الله عنهم ان المرهون يهلك مضمونا بالدين وقال الشافعي رحمه الله يهلك أمانة احتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يغلق الرهن لا يغلق الرهن لا يغلق الرهن هو لصاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه فقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام غرم الرهن على الراهن وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة لان عليه قضاء دين المرتهن فاما إذا هلك مضمونا كان غرمه على المرتهن حيث سقط حقه لا على الراهن وهذا خلاف النص ولان عقد الرهن شرع وثيقة بالدين ولو سقط الدين بهلاك المرهون لكان توهينا لا توثيقا لأنه يقع تعريض الحق للتلف على تقدير هلاك الرهن فكان توهينا للحق لا توثيقا له ( ولنا ) ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الرهن بما فيه وفى رواية الرهان بما فيها وهذا نص في الباب لا يحتمل التأويل وروى أن رجلا رهن بدين عند رجل فرسا بحق له عليه فنفق الفرس عنده فطالبه المرتهن بحقه فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام ذهب حقك ولان المرتهن جعل مستوفيا للدين عند هلاك الرهن فلا يملك الاستيفاء ثانيا كما إذا استوفى بالفكاك وتقرير معنى الاستيفاء في الرهن ذكرناه في مسائل الخلاف وأما الحديث