أبي بكر الكاشاني

128

بدائع الصنائع

الكلام في هذا الفصل في مواضع في بيان ثبوت حق الرجوع في الهبة وفي بيان شرائط صحه الرجوع بعد ثبوت الحق وفي بيان العوارض المانعة من الرجوع وفي بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعا أما ثبوت حق الرجوع فحق الرجوع في الهبة ثابت عندنا خلافا للشافعي رحمه الله احتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل لواهب ان يرجع في هبته الا فيما يهب الوالد لولده وهذا نص في مسألة هبة الأجنبي والوالد وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال العائد في هبته كالعائد في قيئه والعود في القئ حرام كذا في الهبة ولان الأصل في العقود هو اللزوم والامتناع بعارض خلل في المقصود ولم يوجد لان المقصود من الهبة اكتساب الصيت باظهار الجود والسخاء لا طلب العوض فمن طلب منهما العوض فقد طلب من العقد ما لم يوضع له فلا يعتبر طلبه أصلا ( ولنا ) الكتاب والسنة واجماع الصحابة رضي الله عنهم أما الكتاب العزيز فقوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها والتحية وإن كانت تستعمل في معان من السلام والثناء والهدية بالمال ( قال القائل ) * تحيتهم بيض بيض الولاء بدينهم * لكن الثالث تفسير مراد بقرينة من نفس الآية الكريمة وهي قوله تعالى أوردوها لان الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الاعراض لأنه عبارة عن إعادة الشئ وذا لا يتصور في الاعراض والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل وأما السنة فما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها أي يعوض جعل عليه الصلاة والسلام الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض وهذا نص في الباب وأما إجماع الصحابة فإنه روى عن سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا على وعبد الله بن سيدنا عمر وأبى الدرداء وفضالة بن عبيد وغيرهم رضي الله عنهم انهم قالوا مثل مذهبنا ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعا ولان العوض المالي قد يكون مقصودا من هبة الأجانب فان الأسنان قد يهب من الأجنبي احسانا إليه وانعاما عليه وقد يهب له طمعا في المكافأة والمجازاة عرفا وعادة فالموهوب له مندوب إلى ذلك شرعا قال الله تبارك وتعالى هل جزاء الاحسان الا الاحسان وقال عليه الصلاة والسلام من اصطنع إليكم معروفا فكافؤه فإن لم تجد واما تكافؤنه فادعوا له حتى يعلم انكم قد كافأتموه وقال عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا والتهادى تفاعل من الهدية فيقتضى الفعل من اثنين وقد لا يحصل هذا المقصود من الأجنبي وفوات المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع لأنه يعدم الرضا والرضا في هذا الباب كما هو شرط الصحة فهو شرط اللزوم كما في البيع إذا وجد المشترى بالمبيع عيبا لم يلزمه العقد لعدم الرضا عند عدم حصول المقصود وهو السلامة كذا هذا وأما الحديث الأول فله تأويلان أحدهما انه محمول على الرجوع بغير قضاء ولا رضاء وذلك لا يجوز عندنا الا فيما وهب الوالد لولده فإنه يحل له أخذه من غير رضا الولد ولا قضاء القاضي إذا احتاج إليه للاتفاق على نفسه الثاني انه محمول على نفى الحل من حيث المروءة والخلف لامن حيث الحكم لان نفى الحل يحتمل ذلك قال الله تعالى عز وجل في رسولنا عليه الصلاة والسلام لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج قيل في بعض التأويلات لا يحل لك من حيث المروءة والخلف ان تتزوج عليهن بعدما اخترن إياك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة لامن حيث الحكم إذ كان يحل له التزوج بغير هن وهذا تأويل الحديث والآخر أن المراد منه التشبيه من حيث ظاهر القبح مروءة وطبيعة لا شريعة الا ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام في رواية أخرى العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قيئه وفعل الكلب لا يوصف بالحرمة الشرعية لكنه يوصف بالقبح الطبيعي كذا هذا وقوله فيما يهبه الوالد لولده محمول على أخذ مال ابنه عند الحاجة إليه لكنه سماه رجوعا لتصوره بصورة الرجوع مجازا وان لم يكن رجوعا حقيقة على ما نذكره في تلك المسألة إن شاء الله تعالى وأما شرائط الرجوع بعد ثبوت الحق حتى لا يصح بدون القضاء والرضا لان الرجوع فسخ العقد بعد تمامه وفسخ العقد بعد تمامه يصح بدون القضاء والرضا كالرد بالعيب في البيع بعد القبض وأما العوارض المانعة من الرجوع فأنواع منها هلاك الموهوب لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته لأنها ليست