أبي بكر الكاشاني

125

بدائع الصنائع

ذكرنا واهبا ملك نفسه والموهوب له قابضا ملك الواهب فصحت الهبة والقبض وإذا لم يصرح بالاذن بالقبض بقي المقبوض من المال العين على ملك من عليه فلم تصح الهبة فيه فلا يجوز قبض الموهوب له فهو الفرق بين الفصلين ومنها أن لا يكون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب لان معنى القبض وهو التمكن من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع الشغل وعلى هذا يخرج ما إذا وهب دارا فيها متاع الواهب وسلم الدار إليه أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع فإنه لا يجوز لان الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد قيل الحيلة في صحة التسليم ان يودع الواهب المتاع عند الموهوب له أولا ويخلى بينه وبين المتاع ثم يسلم الدار إليه فيجوز الهبة فيها لأنها مشغولة بمتاع هو في يد الموهوب له وفي هذه الحيلة اشكال وهو أن يد المودع يد المودع معنى فكانت يده قائمة على المتاع فتمنع صحة التسليم ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلم فارغا جاز وينظر إلى حال القبض لا إلى حال العقد لان المانع من النفاذ قد زال فينفذ كما في هبة المشاع ولو وهب ما فيها من المتاع دون الدار وخلى بينه وبين المتاع جازت الهبة لان المتاع لا يكون مشغولا بالدار والدار تكون مشغولة بالمتاع لهذا افترقا فيصح تسليم المتاع ولا يصح تسليم الدار ولو جمع في الهبة بين المتاع وبين الدار الذي فيها فوهبهما جميعا صفقة واحدة وخلى بينه وبينهما جازت الهبة فيهما جميعا لان التسليم قد صح فيهما جميعا فان فرق بينهما في الهبة بأن وهب أحدهما ثم وهب الآخر فهذا لا يخلو اما ان جمع بينهما في التسليم واما ان فرق فان جمع جازت الهبة فيهما جميعا وان فرق بأن وهب أحدهما وسلم ثم وهب الآخر وسلم نظر في ذلك وروعي فيه الترتيب ان قدم هبة الدار فالهبة في الدار لم تجز لأنها مشغولة بالمتاع فلم يصح تسليم الدار وجازت في المتاع لأنه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه ولو قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعا أما في المتاع فلانه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه واما في الدار فلأنها وقت التسليم كانت مشغولة بمتاع هو ملك الموهوب فلا يمنع صحة القبض وعلى هذا الأصل أيضا يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو حيوانا واستثنى ما في بطنه أنه لا يجوز لأنه لو جاز لكان ذلك هبة ما هو مشغول بغيره وانها غير جائزة لأنه لا جواز لها بدون القبض وكون الموهوب مشغولا بغيره يمنع صحة القبض ولو أعتق ما في بطن جاريته ثم وهب الام يجوز وذكر في العتاق أنه لو دبر ما في بطن جازيته لا يجوز منهم من قال في المسألة روايتان ( وجه ) رواية عدم الجواز ان الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فأشبه هبة دار فيها متاع الواهب ( وجه ) رواية الجواز وفي رواية الكرخي ان حرية الجنين تجعله مستثنى من العقد لان حكم العقد لم يثبت فيه مع تناوله إياه ظاهر أو هذا معنى الاستثناء ولو استثناه لفظا جازت الهبة في الام فكذا إذا كان مستثنى في المعنى ومنهم من قال في المسألة رواية واحدة وفرق بين الاعتاق والتدبير ( ووجه ) الفرق ان المدبر مال المولى فإذا وهب الام فقد وهب ما هو مشغول بمال الواهب فلم يجز كهبة دار فيها متاع الواهب وأما الحر فليس بمال فصار كما لو وهب دارا فيها حر جالس وذا لا يمنع جواز الهبة كذا هذا ومنها أن لا يكون الموهوب متصلا بما ليس بموهوب اتصال الاجزاء لان قبض الموهوب وحده لا يتصور وغير ليس بموهوب فكان هذا في معنى المشاع وعلى هذا يخرج ما إذا وهب أرضا فيها زرع دون الزرع أو شجرا عليها ثمر دون الثمر أو وهب الزرع دون الأرض أو الثمر دون الشجر وخلى بينه وبين الموهوب له أنه لا يجوز لان الموهوب متصل بما ليس بموهوب اتصال جزء بجزء فمنع صحة القبض ولو جذا الثمر وحصد الزرع ثم سلمه فارغا جاز لان المانع من النفاذ وهو ثبوت الملك قد زال ولو جمع بينهما في الهبة فوهبهما جميعا وسلم متفرقا جاز ولو فرق بينهما في الهبة فوهب كل واحد منهما بعقد على حدة بأن وهب الأرض ثم الزرع أو الزرع ثم الأرض فان جمع بينهما في التسليم جازت الهبة فيهما جميعا وان فرق لا تجوز الهبة فيهما جميعا قدم أو آخر سواء بخلاف الفصل الأول لان المانع من صحة القبض هنا الاتصال وانه لا يختلف والمانع هناك الشغل وانه يختلف نظير هذا ما إذا وهب نصف الدار مشاعا من رجل ولم يسلم إليه حتى وهب النصف الباقي منه وسلم الكل انه يجوز ولو وهب النصف وسلم ثم وهب الباقي وسلم لا يجوز كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا وهب صوفا على ظهر غنم انه لا يجوز لان الموهوب متصل بما ليس بموهوب وهذا يمنع صحة