أبي بكر الكاشاني

111

بدائع الصنائع

المضاربة ليس بعقد لازم بل هو عقد جائز محتمل للفسخ فكان جحوده فسخا له أو رفعا له وإذا ارتفع العقد صار المال مضمونا عليه كالوديعة فان اشترى بها مع الجحود كان مشتر يا لنفسه لأنه ضامن للمال فلا يبقى حكم المضاربة لان من حكم المضارب أن يكون المال أمانة في يده فإذا صار ضمينا لم يبق أمينا فان أقر بعد الجحود لا يرتفع الضمان لأن العقد قد ارتفع بالجحود فلا يعود الا بسبب جديد فان اشترى بها بعد الاقرار فالقياس أن يكون ما اشتراه لنفسه لأنه قد ضمن المال بجحوده فلا يبرأ منه بفعله وفي الاستحسان يكون ما اشتراه على المضاربة ويبرأ من الضمان لان الامر بالشراء لم يرتفع بالجحود بل هو قائم مع الجحود لأن الضمان لا ينافي الامر بالشراء بدليل ان من غصب من آخر شيئا فأمر المغصوب منه الغاصب ببيع المغصوب أو بالشراء به صح الامر وإن كان المغصوب مضمونا على الغاصب وإذا بقي الامر بعد الجحود فإذا اشترى بموجب الامر وقع الشراء للآمر ولن يقع الشراء له الا بعد انتفاء الضمان وصار كالغاصب إذا باع المغصوب بأمر المالك وسلم انه يبرأ من الضمان كذا هذا وقوله المال صار مضمونا عليه فلا يبرأ من الضمان بفعله قلنا العين المضمونة يجوز أن يبرأ الضامن منها بفعله كالمغصوب منه إذا أمر الغاصب أن يجعل المغصوب في موضع كذا أو يسلمه إلى فلان انه يبرأ بذلك من الضمان وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم فأمره أن يشترى بها عبدا فجحده الألف ثم أقربها ثم اشترى جاز الشراء ويكون للآمر وبرئ الجاحد من الضمان ولو اشترى بها عبدا ثم أقر لم يبر أعن الضمان وكان الشراء له لما ذكرنا في المضارب ولو دفع إليه ألفا وأمره أن يشترى بها عبدا بعينه ثم جحد الألف ثم اشترى بها العبد ثم أقر بالألف فان العبد للآمر لان الوكيل بشراء العبد بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه فتعين أن يكون الشراء للآمر فصار كأنه أقر ثم اشترى بخلاف المضارب لأنه يملك أن يشترى لنفسه فلا يحمل على الشراء لرب المال الا أن يقر بالمال قبل الشراء وقال أبو يوسف في المأمور ببيع العبد إذا جحده إياه فادعاه لنفسه ثم أقر له به ان البيع جائز هو برئ من ضمانه وكذلك لو دفع إليه عبدا فأمره أن يهبه لفلان فجحده وادعاه لنفسه ثم أقر له به فباعه ان البيع جائز وهو برئ من ضمانه وكذلك ان أمره بعتقه فجحده وادعاه لنفسه ثم أقر له به فاعتقه جاز عتقه لما ذكرنا ان الامر بعد الجحود قائم فإذا جحد ثم أقر فقد تصرف بأمر رب المال فيبرأ من الضمان ولو باع العبد أو وهبه أو أعتقه ثم أقر بذلك بعد البيع قال ابن سماعة ينبغي في قياس ما إذا دفع إليه ألفا وأمره أن يشترى بها عبدا بعينه انه يجوز ويلزم الآمر لأنه لا يملك ان يبيع العبد لنفسه وقال هشام سمعت محمدا قال في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فجاء بألف وخمسمائة فقال هذه الألف رأس المال وهذه الخمسمائة ربح وسكت ثم قال على دين فيه لفلان كذا كذا قال محمد القول قول المضارب وقال الحسن بن زياد إذا أقر المضارب انه عمل بالمال وان في يده عشرة آلاف وعلى فيها دين الف أو الفان فقال ذلك في كلام متصل كان القول قوله مع يمينه يدفع الدين منه سمى صاحبه أو لم يسمه وان سكت سكتة ثم أقر بذلك وسمى صاحبه أو لم يسمه لم يصدق قال وهذا قياس قول أبي حنيفة وهذا الذي ذكر الحسن يخالف ما قال محمد ( ووجهه ) انه إذا قال في يدي عشرة آلاف وسكت فقد أقر بالربح فإذا قال على دين الف فقد رجع عما أقر به لان الربح لا يكون الابعد قضاء الدين والاقرار إذا صح لا يحتمل الرجوع عنه بخلاف ما إذا قال ذلك متصلا لان الاقرار لم يستقر بعد وكان بمنزلة الاستثناء ( وجه ) قول محمدان أقر بالدين في حال يملك الاقرار به فينفذ اقراره كما إذا قال هذا ربح وعلى دين وقوله إن قوله على دين بعد ما سكت يكون رجوعا عما أقر به من الربح ممنوع فإنه يجوز انه ربح ثم لزمه الدين ألا ترى ان الرجل يقول قد ربحت ولزمني دين وهو يملك الاقرار بالدين فإذا أقر به صح ولو جاء المضارب بألفين فقال الف رأس المال وألف ربح ثم قال ما أربح الا خمسمائة ثم هلك المال كله في يد المضارب فان المضارب يضمن الخمسمائة التي جحد ها ولا ضمان عليه في باقي المال لان الربح أمانة في يده فإذا جحده فقد صار غاصبا بالجحود فيضمن إذا هلك ولو قال المضارب لرب المال قد دفعت إليك رأس مالك والذي بقي في يدي ربح ثم رجع فقال لم أدفعه إليك ولكن هلك فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال لأنه صار