المقداد السيوري
8
كنز العرفان في فقه القرآن
قبلها في الامتنان ، وجعل أسباب المعيشة كلَّها في الأرض ظاهر لمن تدبّره . الثالثة : « يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » ( 1 ) مفعول : « كُلُوا » محذوف أي كلوا شيئا ومن في : « مِمَّا » للتبعيض و : « حَلالاً طَيِّباً » صفتان للمفعول المحذوف وقيل حالان منه ، وأريد بالطيّب ما يكون بالنسبة إلى الطبع وإلَّا لكان ترادفا والأصل عدمه : « ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ » أي لا تقتدوا به في تناول المحرمات وفي الآية دلالة على إباحة ما علمت إباحته . قيل : وفيه دلالة على إباحة أكل ما يمر به الإنسان من الثمرة إذا لم يقصده ولم يحمل معه شيئا ولم يعلم كراهية المالك . وفيه نظر لأنّا بيّنّا أنّها تدلّ على إباحة ما علم إباحته لا ما لم يعلم إباحته فلو جعل دليلا على إباحة ما ذكر لكان مصادرة على المطلوب . فإن قيل : إنّه علم بالبيان من النبيّ صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام إباحة ذلك قلنا يكون ذلك هو الدليل لا الآية مع أنّا نقول : الأولى عدم جواز أكل ما ذكر من الثمرة لأصالة عصمة مال المسلم إلَّا عن طيب نفس منه وما ورد من أخبار الآحاد الموهمة لا يعارض ذلك وسبب نزول الآية أن قوما حرّموا على أنفسهم أشياء من المباحات اللَّذيذة زهدا فنزلت ( 2 ) .
--> ( 1 ) البقرة : 168 . ( 2 ) راجع مجمع البيان ج 1 ص 252 .