المقداد السيوري
29
كنز العرفان في فقه القرآن
الباقر عليه السّلام ( 1 ) وهو الحقّ ، ويؤيّده قوله تعالى : « إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ » . إذ العبور حقيقة في الجواز المكانيّ . فعلى الأوّل يكون قوله : « ولا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ » أي مسافرين سفرا يقع فيه التيمّم فتصلَّون كذلك . وعلى الثّاني : إلَّا مجتازين في المساجد من غير استقرار ، وهو مذهبنا ومذهب الشّافعيّة ، خلافا لأبي حنيفة فإنّه منع من الجواز إلَّا إذا كان فيه الماء أو الطَّريق ، وفيه دلالة على عدم جواز الاستقرار في المساجد وهو استثناء من قوله : « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ » . أي لا تقربوا المساجد للصّلوة وغيرها إلَّا عابري سبيل لكون الطَّريق في المسجد ، وهذا العامّ مخصوص عندنا بما عدا المسجدين وأمّا هما فلا يجوز عبورهما ، وقد تقدّم في الآية الأولى تفسير باقي الأحكام . واعلم أنّ عندنا أنّه إذا فقد الماء وجب طلبه في الحزنة غلوة سهم ، وفي السّهلة غلوة سهمين من أربع جوانب ليتحقّق عدم الوجدان ، ويجب ضربة واحدة للوضوء واثنتان للغسل . وقال أبو حنيفة والشّافعيّ : ضربتان فيهما للوجه ضربة ولليدين أخرى ، وكذا ، قال الشّافعيّ : إنّ المراد بالوجه كلَّه ، وباليدين من رؤس الأصابع إلى المرفقين قياسا على الوضوء . ولما روي : أنّه عليه السّلام تيمّم ومسح يديه إلى مرفقيه ( 2 ) . وروايات أهل البيت ( 3 ) عليهم السّلام تدفع ذلك . وقوله تعالى : « إِنَّ الله كانَ عَفُوًّا غَفُوراً » . أي لم يؤاخذكم بذنوبكم فيشدّد
--> ( 1 ) الوسائل ب 15 من أبواب الجنابة ح 20 والعيّاشي ج 1 ص 243 رقم 138 . ( 2 ) سنن أبي داود ج 1 ص 79 والتّيسير ج 3 ص 87 . ( 3 ) الوسائل ب 11 و 12 و 13 من أبواب التّيمّم . وكفاك عطف الأيدي في الآية الشّريفة على الوجه المراد منه البعض بقرينة الباء كافي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام - الوسائل أبواب التّيمّم ب 13 ح 1 - وإجماع الأمّة على قطع يد السّارق من فوق الرسغ إلَّا أنّ في صحيحة محمّد بن مسلم وصحيحة ليث ب 12 وموثّقة سماعة ب 13 ذكر الذّراع فما اختاره المحقّق قدّس سرّه من جواز مسح الذّراع هو الأولى ، بل الحكم بالاستحباب لا يخلو عن قوّة ، وعلى كلّ حال الاقتصار في مسح اليدين على الكفّين مسلَّم عند الإماميّة . نعم نسب إلى علىّ بن بابويه وجوب مسح الذّراعين إلى الذّراع احتياطا . وذهب عطاء ومكحول وسالم بن عبد اللَّه وسفيان الثّوري ومالك وأبو حنيفة إلى أنّ الواجب المسح إلى المرفقين . ونسبه في البحر الزّاخر إلى الهادي انظر ج 1 ص 127 . وذهب الزهري إلى أنّه يجب المسح إلى الإبطين . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ما ملخّصه : انّ الأحاديث الواردة في صفة التّيمّم لم يصحّ سوى حديث أبي جهم وحديث عمّار ، امّا حديث أبي الجهم ففيه ذكر اليدين مطلقا . وأما حديث عمّار في الصحيحين ففيه ذكر الكفّين ، قال : وأمّا رواية المرفقين ونصف الذّراع ففيه مقال . وأمّا رواية الآباط فقال الشّافعي وغيره انّه ان كان بأمر النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله فكلّ تيمّم صحّ عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله ناسخ له ، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به . ويقوى رواية عمار بما في الصّحيحين : من كون عمّار يفتي به بعد النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وراوي الحديث أعرف بالمراد من غيره ولا سيّما الصّحابي المجتهد . وكذا صرّح في البحر الزّاخر بضعف أحاديث الذّراعين انتهى ما في الفتح ملخّصا . وحيث انتهى الكلام إلى رواية عمّار بما في الصّحيحين فلا بأس بذكر الرّواية لما فيه من الفوائد : انّ رجلا أتى عمر فقال أجنبت فلم أجد الماء فقال لا تصلّ ، فقال عمّار : أما تذكّر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا فلم نجد الماء فأمّا أنت فلم تصلّ ، وأمّا أنا فتمعكت في التّراب فصلَّيت فقال النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله انّما كان يكفيك ان تضرب بيديك ثم تنفخ فيهما ، ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيك ؟ فقال عمر : اتّق اللَّه يا عمّار ، فقال : ان شئت لم أحدّث به ، وفي بعض الرّوايات انّه قال عمر : نولَّيك ما تولَّيت . انظر البداية ص 62 ج 1 .