المقداد السيوري
400
كنز العرفان في فقه القرآن
فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فقال : أمّا الأوّل فقد أخذ يرخصه اللَّه وأمّا الثاني فقد
--> = بالحق لعله لم يسمع الآيتين . غير أنه يلزمه أن يقول في فعل يعقوب بن السكيت بدخوله النار ، أعاذنا اللَّه منه . ومنها ما عن يوسف بن عمران الميثمي قال : سمعت ميثم النهرواني يقول : دعاني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام وقال : كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بنى أمية عبيد اللَّه بن زياد إلى البراءة مني ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إنا واللَّه لا أبرأ منك قال : إذا واللَّه يقتلك ويصلبك قلت أصبر فذاك في اللَّه قليل فقال : يا ميثم إذا تكون معي في درجتي . أقول : وقد روى أصحاب السير والتواريخ نحوا من ذلك في رشيد الهجري وكميل بن زياد النخعي وقنبر وأمثالهم من حواري أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ونقل أنهم لم يبرؤوا منه حين عرض البراءة عليهم فصلبوا وقتلوا وقطعت أيديهم وأرجلهم ولسانهم لكنه لم يشك أحد من الفقهاء في أنهم قد دخلوا الجنة مع أوليائهم الأبرار وحسن أولئك رفيقا . وانما صدعوا بالحق ولم يبرؤوا منه بظاهر من القول ، لاختصاصهم به عليه السّلام أشد اختصاص معروفين بصداقته وحبه العميق فلو تبرؤا منه عليه السّلام إيثارا على أنفسهم المقبوضة غدا أو بعد غد كان ذلك موجبا لهوانهم وحط منزلتهم وقدرهم حيث كانوا يفرون من الموت كفرار من أخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا . فهم على اختصاصهم به عليه السّلام وكونهم من حواريه وأصحاب سره لا يليق بهم أن يرغبوا بأنفسهم عن إعزازه عند الأعداء ويجعلوا أنفسهم سخريّة عند المحب والعدو بالتفوه بالسب أو البراءة أو النيل منه على رؤس الاشهاد ولو أنهم أخذوا بالرخصة وآثروا الحياة الدنيا الفانية لنزلوا عن درجته عليه السّلام في الجنة إلى الدرجات النازلة المنحطة ان لم يصيروا بذلك مصداقا لتأويل قوله تعالى : « فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ » . وعندي ان عملهم ذلك دعا الناس إلى أن توهموا عليه قوله عليه السّلام : « ستدعون إلى سبى والبراءة مني أما السب فسبوني وأما البراءة فلا تبرؤا مني فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة » وذلك لان السب أفحش من البراءة ومتضمن له فكيف يرخص في السب ولا يرخص في البراءة أكان هو عليه السّلام أعلى كعبا من النبي صلَّى اللَّه عليه وآله حيث نزل في ترخيص البراءة عنه آية من القرآن أم كان شيعته عليه السّلام في ذاك الزمان وهم المعنيون بقوله : « يا أشباه الرجال ولا رجال » أخص به من عمار برسول اللَّه وقد ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه أم كيف يعلل ذلك بأنه ولد على الفطرة والناس يعتقدون أن كل مولود يولد على الفطرة بل كيف يقول بأنه سبق إلى الهجرة والناس ينكرون عليه ذلك . ولذلك ورد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنه قال : ما منع ميثم رحمه اللَّه من التقية ، فواللَّه لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ » . نعم ذكر المحقق ابن ميثم البحراني وابن أبي الحديد وجوها في الفرق بين السب والبراءة . واحتمل صاحب الوسائل كون تكذيب الإمام للكلام المنقول عن علي عليه السّلام متعلقا بكون النهي تحريميا فراجع . هذا تمام البحث في التقية ، والروايات منقولة من كتاب الوسائل أبواب 24 - 29 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما - إن شئت فراجع . والحق . =