المقداد السيوري
377
كنز العرفان في فقه القرآن
جهل ما هم إلَّا أكله رأس ولو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد فقال له عتبة أترى لهم كمينا في الحرب أو مددا فبعثوا عمرو بن وهب فجال بفرسه حول المسلمين فرجع فقال : ما لهم كمين ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع أما ترونهم خرسا لا يتكلَّمون ويتلمّظون تلمّظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلَّا سيوفهم وما أراهم يألون حتّى يقتلوا ولا يقتلون حتّى يقتلوا بعددهم فارتئوا رأيكم فقال أبو جهل كذبت وجبنت . فأنزل اللَّه تعالى : « وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها » ( 1 ) فبعث إليهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يا معشر قريش إنّي أكره أن أبدأ بكم فخلَّوني والعرب وارجعوا فقال عتبة ما ردّ هذا قوم قطَّ فأفلحوا ثمّ ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول اللَّه وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال فقال عليه السّلام إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر فان يطيعوه يرشدوا فخطب عتبة فقال أطيعوني اليوم واعصوني الدهر كلَّه إنّ محمّدا له إلّ وذمّة وهو ابن عمّكم فخلَّوه والعرب فان يك صادقا فأنتم أعلى عينا به وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره فقال له أبو جهل جبنت وانتفخ سحرك ( 2 ) فقال يا مصفّر استه ( 3 ) أمثلي يجبن ستعلم قريش أيّنا الأم وأجبن
--> ( 1 ) منخرك ، خ ل . ( 2 ) الأنفال : 62 . ( 3 ) قيل في شرح هذا الكلام ذيل سيرة ابن هشام ج 1 ص 624 : قال السهيلي : « قوله » « مصفر استه » كلمة لم يخترعها عتبة ولا هو بأبى عذرتها : قد قيلت قبله لقابوس بن النعمان أو القابوس بن المنذر لأنه كان مرفها لا يغزو في الحروب فقيل له صفر استه يريدون صفرة الخلوق والطيب وقد قال هذه الكلمة قيس بن زهير في حذيفة يوم الهبائة ولم يقل أحد ان حذيفة كان مستوها فإذا لا يصح قول من قال في أبي جهل من قول عتبة فيه هذه الكلمة أنه كان مستوها . وسادة العرب لا تستعمل الخلوق والطيب إلا في الدعة والخفض وتعيبه في الحرب أشد العيب وأحسب أن أبا جهل لما سلمت العير وأراد أن ينحر الجزر ويشرب الخمر ببدر وتعزف عليه القيان بها استعمل الطيب أو هم به فلذلك قال له عتبة هذه المقالة ، ألا ترى إلى قول الشاعر في بني مخزوم : ومن جهل أبو جهل أخوكم * غزا بدرا بمجمرة وتور يريد انه تبخر وتطيب في الحرب وقوله « مصفر استه » انما أراد مصفر بدنه ، ولكنه قصد المبالغة في الذم ، فخص منه بالذكر ما يسوء أن يذكر » . انتهى وهذا كما ترى معنى بعيد من الكلام غاية البعد وعندي ان معنى قوله « مصفر استه » أن أبا جهل خاف وذعر من القتال حتى سلح وصفر استه بالعذرة فكما أن الجبان الذي ذعر ودهشة القتال ينتفخ سحرة ورئته حتى لا يتمكن من التنفس العادي بل يخفق قلبه ، قد يكون يسلح ويبول على نفسه فيصفر استه ثم إزاره أو سروا له ، وهذا معروف عند الناس بالكناية والتعبير لكنه مقذع .