المقداد السيوري
305
كنز العرفان في فقه القرآن
الرابعة : « ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ » ( 1 ) . هنا فوائد : 1 - اختلف في المراد بالإفاضة هنا على قولين : الأوّل نقل عن الباقر عليه السّلام وابن عبّاس وجماعة أنّ المراد إفاضة عرفات وأنّ الأمر لقريش وحلفائهم ويقال لهم الحمس ( 2 ) لأنّهم كانوا لا يقفون بعرفات مع سائر العرب بل بالمزدلفة كأنّهم [ كانوا ] يرون لهم ترفّعا على الناس فلا تساوونهم في الموقف ويقولون نحن أهل حرم اللَّه فلا نخرج منه فأمرهم اللَّه بموافقة سائر العرب وقيل « الناس » هو إبراهيم عليه السّلام أي أفيضوا من حيث أفاض هو وسمّاه بالناس كما سمّاه أمّة وكما قال : « الَّذِينَ قالَ لَهُمُ
--> ( 1 ) البقرة : 199 . ( 2 ) قال ابن إسحاق ( ج 1 ص 199 - 202 من سيرته ) وقد كانت قريش - لا أدرى أقبل الفيل أم بعده - ابتدعت رأى الحمس ، رأيا رأوا وأداروه فقالوا : نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنها فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا ، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم . فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها الا أنهم قالوا نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس ، والحمس أهل الحرم ، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم ، يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم ، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك . ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم حتى قالوا لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسألوا السمن وهم حرم ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا ان استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما ، ثم رفعوا في ذلك فقالوا : لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤوا حجاجا أو عمارا ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة ، فان تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا . فكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى فحملوا على ذلك العرب فدانت به ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها وطافوا بالبيت عراة أما الرجال فيطوفون عراة واما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها الا درعا مفرجا عليها ثم تطوف فيه انتهى ما أردنا نقله . وقال في معجم قبائل العرب ( ج 1 ص 301 ) : الحمس قبائل من العرب قد تشددت في دينها فكانت لا تستظل أيام منى ولا تدخل البيوت من أبوابها وهي قريش وكنانة ومن دان بدينهم من بنى عامر بن صعصعة ، قال أبو عمرو بن العلاء : الحمس من بنى عامر : كلاب وكعب وعامر بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وقال البكري : الحمس هم قريش كلها كنانة وما ولدت الهون ابن خزيمة والغوث وثقيف وخزاعة وعدوان وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة من قبل الولادة . وفي كتب الأحاديث نحو الدر المنثور ج 1 ص 226 أحاديث في ذلك فراجع .