ابن الجوزي
26
كشف المشكل من حديث الصحيحين
قد اعترض على هذا الحديث بعض الرافضة فقال : لا يخلو أن يكون هؤلاء كفارا أو مسلمين : فإن كانوا كفارا فكيف قال : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فجعل علة قتالهم ترك الزكاة لا الكفر ؟ ثم كيف يشكل قتال الكفار على عمر ؟ وإن كانوا مسلمين فكيف استحل قتلهم ، وسبي ذراريهم ؟ كيف قال : لو منعوني عناقا - أو عقالا - والعناق والعقال لا يؤخذان في الزكاة ؟ ثم كيف يقول عمر : رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق ، وظاهر هذا أنه وافقه بلا دليل ؟ والجواب : أن أهل الردة في زمن أبي بكر انقسموا فرقتين : ففرقه عادت إلى الكفر ، وهم المذكورون في قوله : وكفر من كفر من العرب . وفرقة فرقت بين الصلاة والزكاة ، فأقرت بالصلاة دون الزكاة ، فهؤلاء بغاة ، غير أنهم لم يسموا بذلك لدخولهم في فريق المرتدين ، فأضيف الاسم إلى الردة لكونها أعظم الأمرين ( 1 ) . وأرخ مبدأ قتال البغاة بأيام علي عليه السلام ، إذ كانوا في زمانه منفردين لم يختلطوا بالمشركين . وإنما سميناهم بغاة لقرب العهد وجهلهم بأمر الشرع ، بخلاف ما لو سعت اليوم طائفة تجحد الزكاة ، فإنما نسميها كافرة لا باغية ؛ لأن وجوب الزكاة قد استفاض . وفي أحوال أولئك البغاة وقعت الشبهة لعمر ، فراجع أبا بكر تعلقا بظاهر لفظ الرسول قبل أن يتأمل المعنى . فقال أبو بكر : إن الزكاة حق المال ، يفسر له قول النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : « إلا بحقه » فبان الدليل لعمر ، فوافق لذلك لا بالتقليد ، وهو المراد بقوله : فما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر
--> ( 1 ) ينظر « الأعلام » ( 1 / 731 ) ، و « المعالم » ( 2 / 8 ) ، و « المغني » ( 4 / 8 ) ، و « الفتح » ( 12 / 277 ) .