ابن الجوزي

6

كشف المشكل من حديث الصحيحين

وأعظم العلوم اضمحلالا علم الأثر . على أن الشرع عنه صدر . فإن رأيت طالبا له فهمته في الغالب السماع ، لا الفهم ولا الانتفاع . وأكثر الفقهاء عنه معرضون ، وإن كانوا للحكم على الحديث يبنون . فواعجبا من واضع أسا لم ينظر في أرضه ، ثم أخذ يهتم بطوله وعرضه ، ألا يخاف أن تكون الأرض رملا فينهار ، فكم من بان على شفا جرف هار ، وكم من فقيه أفتى بغير المشروع ، وكم من متعبد تعب بحديث موضوع . ولما قد أحس بفتور الهمم الذي قد صار في زماننا ، تلقى أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي لحظ متون الصحيحين ، تسهيلا لاقتباس الفوائد على المتقاعد ، لأن اختصار اللفظ صديق الحفظ . فصار كتابه لقدره في نفسه مقدما على جميع جنسه ، فتعلق به من قد بقي عنده من الرغبة في النقل رمق . ومعلوم أن الصحيح بالإضافة إلى سائر المنقول كعين الإنسان ، بل كإنسان العين . وكان قد سألني من أثر سؤاله أمارة همتي شرح مشكله ، فأنعمت له وظننت الأمر سهلا ، فإذا نيل سهيل أسهل ، لما قد حوت أحاديثه من فنون المشكلات ودقائق المعضلات . وكان الحميدي قد جمع كتابا أشار فيه إلى تفسير الحروف الغريبة في الصحيحين من حيث اللغة ( 1 ) . ومعلوم أن شرح المعنى أمس ، وكشف الإشكال المعنوي أجدر بالبيان وأحق . فلما رأيت طرق شرحه شاسعة ، شمرت عن ساق الجد ، مستعينا بالله عز وجل رجاء الثواب في إسعاف الطالب . وإلى الله سبحانه أرغب في تلقيح الفهم ، وتصحيح القصد ، وتعجيل النفع ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

--> ( 1 ) مخطوطة في دار الكتب المصرية - التيمورية 80 لغة .