ابن الجوزي

286

كشف المشكل من حديث الصحيحين

219 / 252 - وفي الحديث الثامن والعشرين : بينما نحن مع رسول الله بمنى انفلق القمر فلقتين ( 1 ) . الفلقة : القطعة من الشيء المنشق . قال ابن عباس : اجتمع المشركون إلى رسول الله فقالوا : إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين . فقال : « إن فعلت ذلك تؤمنون ؟ » قالوا : نعم ، فسأل ربه ، فانشق القمر فرقتين ، ورسول الله ينادي : « يا فلان ، يا فلان ، اشهد » وقال مجاهد : ثبتت فرقة وذهبت فرقة من وراء الجبل . وقال ابن زيد : كان يرى نصفه على قعيقعان والنصف الآخر على أبي قبيس . قال ابن مسعود : فقال قريش : سحركم ابن أبي كبشة . فاسألوا السفار فسألوهم ، فقالوا : نعم ، قد رأيناه ، فنزلت قوله : * ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ( 2 ) * [ فاتحة القمر ] . واعلم أن انشقاق القمر من الآيات التي فاق بها على الأنبياء ، فليس لهم مثلها ؛ لأنه أمر خارج عن الأمور الأرضية . وقد اعترض قوم فقالوا : كيف نقل هذا نقل آحاد والخلق قد رأوه ؟ فالجواب : إن هذا أمر طلبه قوم من أهل مكة فأراهم تلك الآية ليلا ، وأكثر الناس نيام وفي أسمارهم وأشغالهم ، وإنما رآه القليل ممن لم يطلب ، ولو ظهر لجميع الخلق ثم لم يؤمنوا لبغتوا بالعذاب كما جرى للأمم المكذبة بالآيات الحسية ، قال عز وجل : * ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) * [ الإسراء : 59 ] المعنى : كذبوا فأهلكوا ، ولو أرسلناها فكذبتم لأهلكتكم .

--> ( 1 ) البخاري ( 3636 ) ، ومسلم ( 2800 ) . ( 2 ) ينظر الطبري ( 27 / 50 ) ، و « الزاد » ( 8 / 88 ) .