ابن الجوزي
142
كشف المشكل من حديث الصحيحين
وقول عمر : إنه قد كفر ، يحتمل وجهين : أحدهما : أن عمر تأول قوله تعالى : * ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) * [ المجادلة : 22 ] . والثاني : أن يكون أراد كفر النعمة . وفي بعض ألفاظ الحديث : دعني أضرب عنق هذا المنافق . وهذا لأنه رأى صورة النفاق . ولما احتمل قول عمر وكان لتأويله مساغ لم ينكر عليه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] . وقد دل هذا الحديث على أنه الجاسوس المسلم لا يقتل . وقال الأوزاعي : يستحق العقوبة المنكلة والتغريب إلى بعض الآفاق في وثاق . وقال أصحاب الرأي : يعاقب ويسجن . وقال مالك : يجتهد فيه الإمام . وقال الشافعي : إذا كان من ذوي الهيئات كحاطب أحببت أن يتجافى عنه ، وإن لم يكن منهم كان للإمام أن يعزره ( 1 ) . وفي هذا الحديث دليل على جواز النظر إلى ما هو عورة من المرأة بموضع الضرورات لأنهم فتشوا المرأة . وقوله : « اعملوا ما شئتم » ليس على الاستقبال ، وإنما هو للماضي ، وتقديره : أي عمل كان لكم فقد غفر . ويدل على هذا شيئان : أحدهما : أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر . والثاني : أنه كان يكون إطلاقا في الذنوب ، ولا وجه لذلك ، ويوضح هذا أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد ، فقال عمر : يا حذيفة ، هل أنا منهم ؟
--> ( 1 ) « المعالم » ( 2 / 274 ) ، و « تكملة المجموع » ( 19 / 342 ) ، و « الفتح » ( 8 / 635 ، 12 / 310 ) .