ابن الجوزي
92
كشف المشكل من حديث الصحيحين
أحدها : أن الدنيا دار تكليف لا دار راحة ، فالمشتغل بالتنعم لا يكاد يوفي التكليف حقه . أخبرنا محمد بن أبي منصور قال : أخبرنا جعفر بن أحمد قال : أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال : أخبرنا أبو بكر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا هارون قال : أنبأنا ضمرة عن ابن شوذب قال : سمعت فرقدا يقول : إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل ، ألم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه ، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين نقيين ، وأنتم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل ( 1 ) . الآفة الثانية : أن التنعم من حيث الأكل يوجب كثرة التناول ، فيقع التشبع فيورث الكسل والغفله ، ويحصل البطر والمرح . ومن جهة اللباس يوجب لين البدن فيضعف عن الأعمال الشاقة ، ويصعب عليه الجهاد والتقلب في الاكتساب ، ويضم ضمنه الخيلاء . ومن جهة النكاح فإنه يحمل على إنفاق القوى في اللذات فيضعف عن أداء اللوازم . والآفة الثالثة : أن من ألف ذلك صعب عليه مفارقة ما ألف ، فيفنى زمانه المحسوب عليه في اكتساب ذلك ، خصوصا في باب التنوق في النكاح ، فإن المتنعمة تحتاج إلى أضعاف ما تحتاج إليها غيرها ، ولهذه المعاني قال عمر : « اخشوشنوا وتحفوا » ( 2 ) . وأما زي أهل الشرك والإشارة إلى ما ينفردون به ، فنهى عن التشبه بهم .
--> ( 1 ) « الحلية » ( 3 / 47 ) . ( 2 ) لحديث عمر رضي الله عنه روايات كثيرة . لم أقف فيها على « تحفوا » ينظر « غريب أبي عبيد » ( 3 / 325 ) و « الفائق » ( 3 / 106 ) و « النهاية » ( 2 / 32 ، 35 ) .