ابن الجوزي
82
كشف المشكل من حديث الصحيحين
والثاني : أنه قام على الحجر لبناء البيت ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، قاله سعيد بن جبير ( 1 ) . فإن قيل : فما السر في أن عمر لم يقنع بما في شريعتنا حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم ، وقد نهاه رسول الله عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة ، فقال . « أمطها عنا يا عمر » ؟ فالجواب : أنه لما سمع قوله تعالى : * ( إني جاعلك للناس إماما ) * [ البقرة : 124 ] . ثم سمع قوله : * ( أن اتبع ملة إبراهيم ) * [ النحل : 123 ] علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون الائتمام بغيره من الأنبياء . ثم رأى أن البيت مضاف إلى إبراهيم وأن أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء ليذكر به بعد موته ، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه ، فوقعت موافقته في رأيه . فأما غير إبراهيم من الأنبياء فلا يجرى مجراه ( 2 ) . على أن هذا القدر من شرع إبراهيم معلوم قطعا ، وما في أيدي الكتابيين من التوراة والإنجيل أمر مغير مبدل ، فنهاه عنه للعلتين جميعا . وقد بان هذا بما أخبرنا به أبو القاسم الكاتب قال : أخبرنا أبو علي ابن المذهب قال : أخبرنا أبو بكر بن مالك . قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا شريح بن النعمان قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله : أن عمر ابن الخطاب أتى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه
--> ( 1 ) ينظر « الطبري » ( 1 / 422 ) ، و « الزاد » ( 1 / 142 ) ، و « القرطبي » ( 1 / 113 ) . ( 2 ) ينظر « الأعلام » ( 1 / 384 ) .