السيد جعفر مرتضى العاملي

85

خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )

ونستوحي من هذا الحديث أن الزهراء ( ع ) كانت متوازنة إبّان وفاة أبيها ، رغم فداحة المصيبة . وأما ما قد يقال : بأنها كانت تبكي إظهاراً : لمظلوميتها ومظلومية زوجها ، وتنبيها على غصب حق أمير المؤمنين ( ع ) في الخلافة ، وحزناً على المسلمين بعد انقلاب جملة منهم على أعقابهم ، فيرد عليه : أولاً : إن إظهار ذلك لا ينحصر بالبكاء ، بل يتحقق في خطبتها في المسجد ، وفي أحاديثها الصريحة مع المسلمات والمسلمين ، وفي حديثها مع أبي بكر وعمر اللذين تحدثت معهما عن غضبها عليهما من خلال غصبهما فدكا وغصبهما للخلافة ( 1 ) . وثانياً : إن الأحاديث الواردة في كلامها أو التي تحدثت عن بكائها استهدفت ذكرى رسول الله ( ص ) . إننا نرى أن أهل البيت ( عليهم السلام ) قمة في العطاء والصبر ، وفي مقدمتهم السيّدة الزهراء ( ع ) ، التي تمثل القدوة في الصبر حتى في طريقة بكائها ، فهي تبكي بكاء الصابرين الرساليين الشاكين إلى الله سبحانه وتعالى . نعم ، إن بكاء علي بن الحسين ( ع ) كان إظهاراً لمظلومية أبيه الإمام الحسين ( ع ) ، لأن زين العابدين ( ع ) كان يتحدث عن مظلومية أبيه ، وهو يبكيه ، لكي يتذكر الناس الواقعة ويدفعهم ذلك إلى الثورة على بني أمية . الحزن الرسالي ومحصل ما نريد قوله : إن الزهراء ( ع ) لم تعرف الفرح في الفترة القصيرة التي قضتها بعد وفاة أبيها رسول الله ( ص ) ( 2 ) . لكن حزنها كان حزناً إسلامياً . . لم يكن جزعاً ولا ابتعاداً عن خط التوازن . والرواية التي يمكن الوثوق بها في هذا المقام هي التي تقول : إنها كانت تخرج في الأسبوع مرة أو مرتين إلى قبر النبي ( ص ) وتأخذ معها ولديها الحسن والحسين ( ع ) ، وتبكيه هناك ، وتتذكر كيف كان يخطب هنا ، وكيف كان يصلي هناك ، وكيف كان يعظ الناس هنالك ( 3 ) . وأرادت بذلك أن تعيد للأمة الغارقة في متاهات الدنيا رسول الله ( ص ) في معناه

--> ( 1 ) عوالم الزهراء ص 445 . ( 2 ) وقد مرّ أنها لم تر كاشرة ولا ضاحكة البحار ج 42 ص 185 والكافي : ج 4 ، ص 561 . ( 3 ) م . ن .