السيد جعفر مرتضى العاملي

83

خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )

الأحداث الكبيرة التي عاشوها ، ولكنها لم تكن تستغرق وقتها في الليل والنهار في البكاء ، ولا أنها كانت كل هذه المدة ( يغشى عليها ساعة بعد ساعة ) ( 1 ) . وذلك : 2 - لأن الصبر كما أشرنا قيمة إسلامية كبرى . ومن الطبيعي أن تمثل الزهراء ( ع ) أعلى درجات الصبر من خلال مقامها الرفيع عند الله ، فهي ككل أهل البيت ( عليهم السلام ) قدوتنا في الصبر ، كما كان رسول الله ( ص ) قدوة الناس كلهم في هذا المجال ، وكما كان الرسل من قبله ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ( ( الأحقاف 35 ) . وهذا هو معنى التأسي بهم ، فالحزن على المصاب ، لا سيّما إذا كان أليماً له دوره في رقة القلب . ولكنّ للصبر عليه درجة عظيمة لا مخصص لها . . فإن قوله تعالى : ( والله يحب الصابرين ) ( آل عمران : 146 ) وقوله : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ( ( الأنفال : 46 ) ، لا يقبل التخصيص ، والتقيد ، فهو من العمومات الآبية عن ذلك ، وكذلك قول الصادق ( ع ) : ( الصبر رأس الإيمان ) وقوله الآخر : ( الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان ( 2 ) ) . فإن هذا اللون من البيان يأبى التخصيص والتقييد كما يقول علماء الأصول . 2 - ولأن الزهراء ( ع ) كانت مشغولة في معظم وقتها بالدفاع عن حق علي ( ع ) في الخلافة ، ومن أبرز مظاهر تحركها خطبتها في المسجد ، وكلامها مع نساء المهاجرين والأنصار ورجالهن ، وإذا صح الحديث بأنّ علياً ( ع ) كان يطوف بها على بيوت المهاجرين والأنصار أو جموعهم كما جاء في بعض الروايات . فهذا يعني أنها كانت تتحرك بشكل يومي نحو تحقيق هذا الهدف الكبير ، مما لا يترك لها مجالاً واسعاً للانصراف إلى البكاء والاستغراق فيه . 3 - إنّنا لا ننكر مشروعية البكاء إسلامياً فقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم ( 3 ) ، وبكى يعقوب على يوسف ( ع ) ( 4 ) ومن الطبيعي أن تبكي الزهراء ( ع ) لأنها بشر ، والبشر من طبعه البكاء عند فقد الأحبة ، لكننا ننكر أن يتحول البكاء إلى حالة من الجزع أو ما يشبه الجزع بحسب الصورة التي تتلى في المجالس ، ومفادها ( أن أهل المدينة ضجّوا من كثرة بكائها ) ( 5 ) . وانهم شكوا الأمر إلى علي ( ع ) وقالوا له : ( إما أن تبكي أباها ليلاً أو نهاراً ) ، لأن هذه الصورة لا تليق بمكانة الزهراء في الواقع العام ، ولا

--> ( 1 ) كما جاء في بعض الروايات ، راجع : بحار الأنوار ج : 43 من 187 وعوالم الزهراء ، ص 451 . ( 2 ) أصول الكافي ، ج : 2 ص : 87 . ( 3 ) إقناع اللائم على إقامة المأتم ، ص : 114 . مؤسسة المعارف الإسلامية ، قم : إيران 1418 ه‍ . ( 4 ) م . ن ، ص 86 . ( 5 ) تقدم الحديث في الهامش رقم 1 من الصفحة 64 .