السيد جعفر مرتضى العاملي
316
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
ثم قال : " إذا كان القرآن يتحدث بأسلوب العنف عن بعض هؤلاء الذين ينطلقون من موقع الفكرة المضادة لفكره ، فلم يكن ذلك نتيجة للروح العدوانية التي ترفض الخلاف بالقوة ، بل كان لامتناعهم عن الدخول في أجواء الحوار ، وابتعادهم عن استعمال الأدوات التي أتاحها الله لهم للمعرفة وللتفكير . . وهذا ما نريد إثارته : الحوار لمن يريد الحوار . والعنف العقلاني لمن يتخذ العنف وسيلة لاضطهاد الفكر وإسقاطه . . " الخ ( 1 ) . وبعدما تقدم نقول : هل ترى هذه المعايير ، والفوائد التي ذكرها للحوار منطبقة على حديث القرآن عن حوار الله تعالى مع إبليس ؟ الجواب : لا ، فإن الله سبحانه إنما أقام الحجة على إبليس ثم طرده ولعنه . . إذن فخطابه سبحانه لإبليس لا يدخل في هذا الإطار بلا شك . أو هل ترى أن الحوار المزعوم بين الله سبحانه وإبليس هو من مفردات وموارد العنف العقلاني ، لمن يتخذ العنف وسيلة لاضطهاد الفكر الآخر وإسقاطه ؟ ! والجواب أيضاً بلا . . لأن إبليس قد قدم عذره - الباطل - لامتناعه عن السجود لآدم ، وهو أنه مخلوق من نار ، وآدم مخلوق من طين ، ولكن الله سبحانه بادره باللعنة وبالطرد . . فكلا الحالتين لا تنطبقان على قضية إبليس وهكذا تتعقد المشكلة إذا أردنا أن نلتزم بما يقوله هذا البعض ، ونقف عنده ولا نتعداه . . ثالثاً : إن الحقيقة هي أن الله سبحانه لا يهادن الفكر المنحرف ، الذي ينطلق من إرادة تبرير الانحراف ، وذر الرماد في العيون عن سابق معرفة وإدراك لحقيقة الخطأ ، وتمييع القضايا بصورة وقحة ، فإن هذا النوع لا يصح ، بل لا يجوز الحوار معه ، لأن حواراً كهذا لسوف يستبطن المماشاة بل الاعتراف بهذا الفجور الإعلامي الذي يراد تسويقه على أنه فكر ، ورأي واستدلال . . ولأجل ذلك كان القمع الإلهي لهذا الفجور الخبيث ، ولم يكن ثمة من حوار مع إبليس ، ما دام أن الحوار مع إبليس سقوط خطير ، وانتصار لأطروحة إبليس ، ومساعدة له على تحقيق مراميه الخطيرة والخبيثة .
--> ( 1 ) راجع : الحوار في القرآن : ص 17 و 18 و 19 مقدمة الطبعة الثالثة .