السيد جعفر مرتضى العاملي
206
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
تكن تلك الإرادة لتتعلق بالمغفرة لولا تحقق الشفاعة . . فلو أن الشفيع لم يبادر إلى الشفاعة لكان العذاب قد نال ذلك العبد المذنب . وهذا كما لو صدر من أحد أولادك ذنب ، فتبادر إلى عقوبته ، فإذا وقف في وجهك من يعز عليك ، وتشفع به ، فإنك تعفو عنه إكراما له ، وان لم يفعل ذلك ، كما لو لم يكن حاضرا مثلا ، فإنك ستمضي عقوبتك في ذلك الولد المذنب لا محالة . . فالشفاعة على هذا سبب في العفو ، أو جزء سبب له . إذن فليس صحيحا ما يقوله البعض من أن الله تعالى قد تعلقت إرادته بالمغفرة للعبد قبل الشفاعة ، بحيث تكون المغفرة له حاصلة على كل حال ، ثم يكرم الله نبيه ويقول له : هذا العبد أريد أن أغفر له ، فتعال وتشفّع إلي فيه . . ج - إذا كان الشخص المذنب قد أقام علاقة طيبة مع ذلك الشافع ، وتودّد إليه ، ورأى منه سلوكا حسنا ، واستقامة وانقيادا ، فان الشافع يرى أن من اللائق المبادرة إلى مساعدته في حل مشكلته ، أما إذا كان قد أغضبه وأساء إليه أو تعامل معه بصورة لا توحي بالثقة ، ولا تشير إلى الإستقامة ، فإنه لا يبادر إلى مساعدته ، ولا يلتفت إليه . . فسلوك المشفوع له أثر كبير في مبادرة الشافع إلى الشفاعة . د - وحين يكون الشفيع لا يريد شيئا لنفسه من ذلك الشخص ولا من غيره ، ويكون ما يرضيه هو ما يرضي الله سبحانه ، فان تقديم الصدقات والقربات للفقراء ، والاهتمام بما يرضي الشافع هو في الواقع إثباتات عملية على أن ذلك المذنب راغب في تصحيح خطأه وتدارك ما فاته ، وهو براهين وإثباتات على أنه قد التزم جادة الاستقامة ، وندم على ما فرط منه ، فإذا قدم مالا للفقراء ، أو أطعم أو ذبح شاة ، وفرقها على المحتاجين ، فان ذلك لا يكون رشوة للنبي ، أو الولي . . وهو يعلم أن النبي والولي لا يأخذ ذلك لنفسه ، بل يعود نفعه إلى الفقراء والمحتاجين ، أو يستثمر في سبيل الله ، وفي نشر الدين ، والباذل إنما يبذل ذلك رغبة في الحصول على رضا الشافع ، الذي رضاه رضا الله . ه - أما إذا أدار ذلك المذنب ظهره للنبي وللوصي ، ولم يلمس الشافع منه أنه يتحرق لتحصيل العفو ، والرضا عنه ، ويقرع كل باب ، ويتوسل بكل ما من شأنه أن يحل هذا الإشكال ، ويبادر إلى العمل بكل ما يعلم أنه يرضي