السيد جعفر مرتضى العاملي
169
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
الاستغراق في الذات التي يوجّه إليها الفعل المعيّن ، في ما يشبه حالة الذوبان الذي يفقد الإنسان معه الإحساس بإرادته أمامها ، أو في الالتفات إلى وجوده معها . ولذلك لا بد من وجود حالةٍ نفسية في مستوى الانسحاق في انطباق مفهوم العبادة عليه . وهذا ما نستوحيه في مسألة أمر الله للملائكة ولإبليس بالسجود لآدم ( ع ) ، باعتبار ما يمثله ذلك من معنى الاحترام الناشئ من الإيحاء بعظمة خلقه - كما هو أحد الاحتمالات في ذلك - فإن من الطبيعي أن الله لم يأمر بذلك بمعنى العبادة لآدم ( ع ) حتى على مستوى المظهر ؛ لأن الله لا يرضى بعبادة غيره وإن كان من أقرب خلقه إليه . ولذلك ، لم يكن ردّ فعل إبليس على المسألة اعتراضاً على منافاة ذلك للإخلاص لله وللإيمان بوحدانيته ، بل اعتراضاً على أن يكون عنصر التراب أفضل من عنصر النار ، بحيث لا يتناسب ذلك مع سجود المخلوق من النار ، التي هي أقوى من التراب ، للمخلوق من التراب ، لأن السجود يمثل التعبير عن التعظيم ، باعتبار أنه صاحب القيمة الفضلى والمستوى الأرفع . وهكذا ، فإننا لم نجد من الملائكة استغراباً للأمر ، في ما يمكن أن يحمله ، حسب هذا الفرض ، من المنافاة للتوحيد في العبادة . وهذا ما نستوحيه من سجود يعقوب ( عليه السلام ) وزوجته وأولاده ليوسف ( عليه السلام ) ، وذلك قوله تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخرُّوا له سُجداً ( ( يوسف : 100 ) فإن الظاهر أن المراد منها هو سجود أبويه وإخوته له ، لأنه قال - بعد ذلك - : ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ) ( يوسف : 100 ) وكان ، في ما قصّه على أبيه من رؤياه في بداية القصة ، ما ذكره الله سبحانه : ( إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) ( يوسف : 4 ) ، فهل يمكن أن يكون في سجود يعقوب ( ع ) وزوجته وأولاده لون من ألوان العبادة ليوسف عليه السلام الذي يعيش العبودية لله في أعلى مواقعها ، كما عاشها أبوه عليه السلام في هذا المستوى ؟ إن المسألة هي - في ما يبدو - مسألة التقليد المتّبع في احترام صاحب العرش ، الذي يملك السلطة ، في السجود له ، تعبيراً عن الشعور بعظمته وعن التقدير لمقامه الرفيع . وفي ضوء ذلك ، لا بدّ من التدقيق في طبيعة الأشكال المتعارفة لدى الناس ، التي تلتقي - بشكل أو بآخر - بالشكليات الطقوسية للعبادة ، ودراسة خلفياتها الفكرية والروحية في شخصية من يمارسها ، ومعرفة التقاليد الاجتماعية في مسألة الاحترام