السيد جعفر مرتضى العاملي
103
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
يقول ذلك البعض : " نلاحظ ، في المقارنة بين الرجل والمرأة اللذين يعيشان في ظروف ثقافية واجتماعية وسياسية متشابهة ، أنه من الصعب التمييز بينهما ؛ إذ ليس من الضروري أن يكون وعي الرجل للمسألة الثقافية والاجتماعية والسياسية أكثر من وعي المرأة لها ، بل قد نجد نماذج متعدّدة لتفوّق المرأة على الرجل في سعة النظرة ، ودقّة الفكر ، وعمق الوعي ، ووضوح الرؤية ، وذلك من خلال ملاحظة بعض العناصر الداخلية أو الخارجية المميّزة لها بشكل خاص . وهذا ما نلاحظه في بعض التجارب التاريخية التي عاشت فيها بعض النساء في ظروف متوازنة من خلال الظروف الملائمة لنشأتها العقلية والثقافية والاجتماعية . فقد استطاعت أن تؤكد موقعها الفاعل ومواقفها الثابتة المرتكزة إلى قاعدة الفكر والإيمان ، وهذا ما حدّثنا الله عنه في شخصية مريم ، وامرأة فرعون ، وما حدّثنا التاريخ عنه في شخصية خديجة الكبرى ( رض ) وفاطمة الزهراء ( ع ) والسيّدة زينب ابنة علي ( ع ) . إن المواقف التي تمثلت ، في حياة هؤلاء النسوة العظيمات ، تؤكد الوعي الكامل المنفتح على القضايا الكبرى التي ملأت حياتهن على مستوى حركة القوة في الوعي والمسؤولية والمواجهة للتحدّيات المحيطة بهن في الساحة العامة . . وقد لا يملك الإنسان أن يفرّق بأيّة ميزة عقليّة ، أو إيمانيّة ، في القضايا المشتركة بينهن وبين الرجال الذين عاشوا في مرحلتهن . وإذا كان بعض الناس يتحدّث عن بعض الخصوصيات غير العاديّة في شخصيات هؤلاء النساء ، فإننا لا نجد هناك خصوصية إلاّ الظروف الطبيعية التي كفلت لهن إمكانات النمو الروحي والعقلي والالتزام العملي بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي . ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية مميزة تخرجهن عن مستوى المرأة العادي ، لأن ذلك لا يخضع لأي إثبات قطعي ، مع ملاحظة أن الله ، سبحانه وتعالى ، تحدّث عن اصطفاء إحدى النساء ، وهي مريم ، عليها السلام ، من خلال الروحانية التي تميّزها والسلوك المستقيم في طاعتها لله . وهذا واضح في ما قصّه الله من ملامح شخصيتها ، عندما كفلها زكريّا ، وعندما واجهت الموقف الصعب في حملها لعيسى عليه السلام ، وفي ولادتها له . وإذا كان الله قد وجهها من خلال الروح الذي أرسله إليها فإن ذلك لا يمثل حالة غيبيّة في الذات بل يمثل لطفا إلهيا في التوجيه العملي والتثبيت الروحي ، على أساس ممارستها الطبيعية للموقف في هذا الخط من خلال عناصرها الشخصية الإنسانية التي