أبي بكر الكاشاني
194
بدائع الصنائع
وزنا بوزن متساويا في الوزن لم يجز لان الحنطة مكيلة والتساوي في الكيل شرط جواز البيع في المكيلات ولا تعلم المساواة بينهما في الكيل فكان بيع الحنطة بالحنطة مجازفة وروى عن أبي يوسف رحمه الله انه إذا غلب استعمال الوزن فيها تصير وزنية ويعتبر التساوي فيها بالوزن وإن كانت في الأصل كيلية وعلى هذا تخرج المزابنة والمحاقلة انهما لا يجوزان لان المزابنة تبيع التمر على رؤس النخل بمثل كيله من التمر خرصا لا يدرى أيهما أكثر والزبيب بالعنب لا يدرى أيهما أكثر والمحاقلة بيع الحب في السنبل بمثل كيله من الحنطة خرصا لا يدرى أيهما أكثر فكان هذا بيع مال الربا مجازفة لأنه لا تعرف المساواة بينهما في الكيل وقد روى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة وفسر محمد رحمه الله المزابنة والمحاقلة في الموطأ بما قلنا وهو كان اماما في اللغة كما كان اماما في الشريعة وقال كذلك الجواب إذا كان أكثر من خمسة أوسق أما ما دون خمسة أوسق فلا بأس بما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بالتمر فيما دون خمسة أوسق فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة ما حرم والمزابنة ما دون خمسة والمرخص من جملة ما حرم يكون مباحا وتفسير العرية عندنا ما ذكره مالك بن انس في الموطأ رضي الله عنه وهو أن يكون لرجل نخيل فيعطى رجلا منها ثمرة نخلة أو نخلتين يلقطهما لعياله ثم يثقل عليه دخوله حائطه فيسأله أن يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمرا عند اصرام النخل وذلك ما لا بأس به عندنا لأنه لا بيع هناك بل التمر كله لصاحب النخل فان شاء سلم له ثمر النخل وان شاء أعطاه بمكيلتها من التمر الا انه سماه الراوي بيعا لتصوره بصور البيع لا أن يكون بيعا حقيقة بل هو عطية الا ترى انه لم يملكه المعرى له لانعدام القبض فكيف يجعل بيعا ولأنه لو جعل بيعا لكان بيع التمر بالتمر إلى أحل وانه لا يجوز بلا خلاف دل أن العرية المرخص فيها ليست ببيع حقيقة بل هي عطية ولان العرية هي العطية لغة قال حسان بن ثابت رضي الله عنه ليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح ولو اشترى بكر من تمر نخلا عليها ثمر وسمى التمر أو ذكر كل قليل وكثير هو منه حتى دخل في البيع يراعى في جوازه طريق الاعتبار وهو أن يكون كيل التمر أكثر من كيل الثمر ليكون الثمر بمثله والزيادة بإزاء النخل فإن كان أقل لا يجوز لان التمر يكون بمثل كيله وزيادة التمر مع النخل تكون زيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا وكذا كان مثله لان النخل يكون فضلا لا يقابله عوض في عقد المعاوضة وكذا إذا كان لا يدرى عندنا خلافا لزفر وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى ثم إنما يجوز على طريق الاعتبار إذا كان التمر نقدا فإن كان نسيئة لم يجز لتحقق ربا النساء هذا إذا كان ثمر النخل بسرا أو رطبا أو تمرا يابسا عند العقد فإن كان كفرى جاز البيع كيف ما كان من غير شرط الاعتبار لأنه بيع الكفرى بالتمر وانه جائز كيف ما كان ولو لم يكن التمر موجودا عند العقد ثم أثمر النخل قبل القبض كرا أو أكثر من الكر لا يفسد البيع بخلاف ما إذا كان التمر موجودا عند العقد ثم أثمر النخل قبل القبض فباعه مع النخل بالتمر وكيل التمر مثل كيل ثمر النخل أو أقل حيث يفسد البيع لان العاقدين أدخلا الربا في العقد لأنهما قابلا الثمن بكل المبيع فانقسم الثمن عليهما وبعض المبيع مال الربا فدخل الربا في العقد باشتراطهما واشتراط الربا في العقد مفسد له وههنا البيع كان صحيحا في الأصل لان الثمن خلاف جنس المبيع إذ المبيع هو النخل وحد الا انه إذا زاد فقد صار مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما فبقي البيع صحيحا والزيادة ملك المشتري وينقسم الثمن على قيمة النخل وقيمة الزيادة لكن تعتبر قيمة النخل وقت العقد وقيمة الزيادة وقت القبض فيطيب له من التمر قدر حصته من الثمن لان فضل له ذلك القدر ببدل ولا يطيب له الفضل ويتصدق به لأنه ربح ما لم يضمن ولو قضى الثمن من التمر الحادث ينظر ان قضاه منه قبل القبض فقضاؤه باطل لان القضاء منه تصرف في المبيع قبل القبض وانه لا يجوز وجعل كأنه لم يقبض حتى لو هلك الثمن في يد البائع بآفة سماوية لا يسقط شئ من الثمن وان أكله البائع تسقط حصته من الثمن وإن كان المشترى قبض الثمن ثم قضى منه جاز