أبي بكر الكاشاني
192
بدائع الصنائع
ما عرف وقوله فيه احتمال الربا قلنا احتمال الربا ههنا يوجب فساد العقد عند مقابلة الجنس بالجنس عينا كما في بيع الصبرة بالصبرة لا على الاطلاق لان عند مقابلة الجنس بالجنس يلزم رعاية المماثلة المشروطة ولم توجد ههنا فلا توجب الفساد وعلى هذا إذا باع دينارا ودرهمين بدرهمين ودينارين انه يجوز عندنا ويكون الدينار بالدرهمين والدرهمان بالدينارين وكذا إذا باع درهمين ودينارا بدينارين ودرهم يجوز عندنا بأن يجعل الدرهمان بالدينارين والدينار بالدرهم وكذا إذا باع عشرة دراهم ودينار انه جائز عندنا وتكون الخمسة بمقابلة الخمسة والخمسة الأخرى بمقابلة الدينار وكذلك إذا باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز عندنا وكانت العشرة بمثلها ودينار بدرهم وكذلك قال أبو حنيفة عليه الرحمة انه إذا باع مائة درهم ودينار بألف درهم يجوز ولا بأس به وتكون المائة بمقابلة المائة والتسعمائة بمقابلة الدينار فلا يتحقق الربا وكذا روى عن محمد أنه قال إذا باع الدراهم بالدراهم وفى أحدهما فضل من حيث الوزن وفى الجانب الذي لا فضل فيه فلوس فهو جائز في الحكم ولكني أكرهه فقيل كيف تجده في قلبك قال أجده مثل الجبل والحاصل انه ينظر إلى ما يقابل الزيادة من حيث الوزن من خلاف الجنس ان بلغت قيمته قيمة الزيادة أو كانت أقل منها مما يتغابن الناس فيه عادة جاز البيع من غير كراهة وإن كانت شيئا قليل القيمة كفلس وجوزة ونحو ذلك يجوز مع الكراهة وإن كان شيئا لا قيمة له أصلا ككف من تراب ونحوه لا يجوز البيع أصلا لان الزيادة لا يقابلها عوض فيتحقق الربا ( فصل ) وأما شرائط جريان الربا ( فمنها ) أن يكون البدلان معصومين فإن كان أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط ويتحقق الربا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرا فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة في حكم الاسلام انه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يجوز وعلى هذا الخلاف المسلم الأسير في دار الحرب أو الحربي الذي أسلم هناك ولم يهاجر الينا فبايع أحدا من أهل الحرب ( وجه ) قول أبى يوسف ان حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة في حق الكفار لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال فاشتراطه في البيع يوجب فساده كما إذا بايع المسلم الحربي المستأمن في دار الاسلام ( ولهما ) ان مال الحربي ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه الا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة فإذا بدله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى فكان الاخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك وانه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش وبه تبين ان العقد ههنا ليس بتملك بل هو تحصيل شرط التملك وهو الرضا لان ملك الحربي لا يزول بدونه وما لم يزل ملكه لا يقع الاخذ تملكه لكنه إذا زال فالملك للمسلم يثبت بالاخذ والاستيلاء لا بالعقد فلا يتحقق الربا لان الربا اسم لفضل يستفاد بالعقد بخلاف المسلم إذا باع حربيا دخل دار الاسلام بأمان لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الاسلام بأمان والمال المعصوم لا يكون محلا للاستيلاء فتعين التملك فيه بالعقد وشرط الربا في العقد مفسد وكذلك الذمي إذا دخل دار الجرب فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في الاسلام فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا لان ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم الا الخمر والخنزير على ما نذكر إن شاء الله تعالى ( ومنها ) أن يكون البدلان متقومين شرعا وهو أن يكونا مضمونين حقا للعبد فإن كان أحدهما غير مضمون حقا للعبد لا يجرى فيه الربا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب فبايع رجل أسلم في دار الحرب ولم يهاجر الينا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الاسلام انه يجوز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز لان العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده حتى لا يضمن نفسه بالقصاص ولا بالدية عنده وكذا ماله لا يضمن بالاتلاف لأنه تابع للنفس وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان والمسألة تأتى في كتاب السير ولو دخل مسلمان دار الحرب فتبايعا درهما بدرهمين أو غيره من البيوع الفاسدة في دار الاسلام