أبي بكر الكاشاني

139

بدائع الصنائع

الا إذا صار بحال ينتفع به بوجه من الوجوه فإن كان بحيث لا ينتفع به أصلا لا ينعقد واحتجوا بما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولأنه إذا لم يبد صلاحها لم تكن منتفعا بها فلا تكون مالا فلا يجوز بيعها وهذا خلاف الرواية فان محمدا ذكر في كتاب الزكاة في باب العشر أنه لو باع الثمار في أول ما تطلع وتركها بأمر البائع حتى أدركت فالعشر على المشترى ولو لم يجز بيعها حين ما طلعت لما وجب عشرها على المشترى والدليل على جواز بيعه ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من باع نخلا مؤبرة فثمرته للبائع الا أن يشترطها المبتاع جعل الثمرة للمشترى بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحها أو لا دل أنها محل البيع كيف ما كان والمعنى فيه وهو أنه باع ثمرة موجودة وهي بعرض أن تصير منتفعا بها في الثاني وان لم يكن منتفعا بها في الحال فيجوز بيعها كبيع جرو الكلب على أصلنا وبيع المهر والجحش والأرض السبخة والنهى محمول على بيع الثمار مدركة قبل ادراكها بان باعها ثمرا وهي بسر أو باعها عنبا وهي حصرم دليل صحة هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام في سياق الحديث أرأيت ان منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال صاحبه ولفظة المنع تقتضي أن لا يكون ما وقع عليه البيع موجودا لان المنع منع الوجود وما يوجد من الزرع بعضه بعد بعض كالبطيخ والباذنجان فيجوز بيع ما ظهر منه ولا يجوز بيع ما لم يظهر وهذا قول عامة العلماء رضي الله عنهم وقال مالك رحمه الله إذا ظهر فيه الخارج الأول يجوز بيعه لان فيه ضرورة لأنه لا يظهر الكل دفعة واحدة بل على التعاقب بعضها بعد بعض فلو لم يجز بيع الكل عند ظهور البعض لوقع الناس في الحرج ( ولنا ) أن ما لم يظهر منه معدوم فلا يحتمل البيع ودعوى الضرورة والحرج ممنوعة فإنه يمكنه أن يبيع الأصل بما فيه من الثمر وما يحدث منه بعد ذلك يكون ملك المشتري وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحبل وحبل الحلب وروى حبل الحبلة وهو بمعنى الأول وإنما زيادة الهاء للتأكيد والمبالغة وروى حبل الحبلة بحفظ الهاء من الكلمة الأخيرة والحبلة هي الحبلى فكان نهيا عن بيع ولد الحبلى وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع اللبن في الضرع وبيع عسب الفحل لان عسب الفحل ضرابه وهو عند العقد معدوم وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل ولا يمكن حمل النهى على نفس العسب وهو الضراب لان ذلك جائز بالإعارة فيحمل على البيع والإجارة الا أنه حذف ذلك واضمره فيه كما في قوله تعالى واسأل القرية وغير ذلك ولا يجوز بيع الدقيق في الحنطة والزيت في الزيتون والدهن في السمسم والعصير في العنب والسمن في اللبن ويجوز بيع الحنطة وسائر الحبوب في سنابلها لان بيع الدقيق في الحنطة والزيت في الزيتون ونحو ذلك بيع المعدوم لأنه لا دقيق في الحنطة ولا زيت في الزيتون لان الحنطة اسم للمركب والدقيق اسم للمتفرق فلا دقيق في حال كونه حنطة ولا زيت حال كونه زيتونا فكان هذا بيع المعدوم فلا ينعقد بخلاف بيع الحنطة في سنبلها لان ما في السنبل حنطة إذ هي اسم للمركب وهي في سنبلها على تركيبها فكان بيع الموجود حتى لو باع تبن الحنطة في سنبلها دون الحنطة لا ينعقد لأنه لا يصير تبنا الا بالعلاج وهو الدق فلم يكن تبنا قبله فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وبخلاف بيع الجذع في السقف والآجر في الحائط وذراع من كرباس أو ديباج أنه ينعقد حتى لو نزع وقطع وسلم إلى المشترى يجبر على الاخذ وههنا لا ينعقد أصلا حتى لو طحن أو عصر وسلم لا يجبر المشترى على القبول لأن عدم النفاذ هناك ليس لخلل في الركن ولا في العاقد والمعقود عليه بل لمضرة تلحق العاقد بالنزع والقطع فإذا نزع وقطع فقد زال المانع فنفذ اما ههنا فالمعقود عليه معدوم حالة العقد ولا يتصور انعقاد العقد بدونه فلم ينعقد أصلا فلا يحتمل النفاذ فهو الفرق وكذا بيع البزر في البطيخ الصحيح لأنه بمنزلة الزيت في الزيتون وبيع النوى في التمر وكذلك بيع اللحم في الشاة الحية لأنها إنما تصير لحما بالذبح والسلخ فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وكذا بيع الشحم الذي فيها وأليتها وأكارعها ورأسها لما قلنا وكذا بيع البحير في السمسم لأنه إنما يصير بحيرا بعد العصر وعلى هذا يخرج ما إذا قال بعتك هذا الياقوت بكذا فإذا هو زجاج أو قال بعتك هذا الفص على أنه ياقوت بكذا فإذا هو زجاج