أبي بكر الكاشاني

105

بدائع الصنائع

واحد في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يوم واحد أو في عشرة أيام فكان هذا اطعام عشرة مساكين معنى فيجوز ونظير هذا ما روى في الاستنجاء بثلاثة أحجار ثم استنجى بالمدر أو بحجر له ثلاثة أحرف جاز لحصول المقصود منه وهو التطهير كذا هذا ولان ما وجبت له هذه الكفارة يقتضى سقوط اعتبار عدد المساكين وهو ما ذكرنا من إذاقة النفس مرارة الدفع وإزالة الملك لابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى لتكفير ما أتبعها هواها وأوصلها إلى مناها كما خالف الله عز وجل في فعله بترك الوفاء بعهد الله سبحانه وتعالى وهذا المعنى في بذل هذا القدر من المال تمليكا وإباحة لا في مراعاة عدد المساكين صورة بخلاف ذكر العدد في باب الحد والعدة لان اشتراط العدد هناك ثبت نصا غير معقول المعنى فلا يحتمل التعدية وههنا معقول على ما بينا وبخلاف الشهادات حيث لا تجوز إقامة الواحد فيها في يومين أو في دفعتين مقام شهادة شاهدين لان هناك المعنى الذي يحصل بالعدد لا يحصل بالواحد وهو انتفاء التهمة ومنفعة التصديق ونفاذ القول على ما نذكره في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى وههنا معنى التكفير ودفع الحاجة وسد المسكنة لا يختلف لما بينا ( وأما ) إذا دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة أو دفعات فلا رواية فيه واختلف مشايخنا قال بعضهم يجوز وقال عامة مشايخنا لا يجوز الا عن واحد لان ظاهر النص يقتضى الجواز على الوجه الذي بينا الا أنه مخصوص في حق يوم واحد لدليل كما صار مخصوصا في حق بعض المساكين من الوالدين والمولودين ونحوهم فيجب العمل به فيما وراء المخصوص ولما ذكرنا ان الأصل في الطعام هو طعام الإباحة إذ هو المتعارف في اللغة وهو التغدية والتعشية لدفع الجوع وإزالة المسكنة وفى الحاصل دفع عشر جوعات وهذا في واحد في حق مسكين واحد لا يكون فلا بد من تفريق الدفع على الأيام ويجوز أن يختلف حكم التفريق المجتمع كما في رمى الجمار انه إذا رمى بالحصا متفرقا جاز ولو رمى مجتمعا دفعة واحدة لا يجوز الا عن واحدة ووجد في مسئلتنا فجاز وكذلك لو غدى رجلا واحدا عشرين يوما أو عشى رجلا واحدا في رمضان عشرين يوما أجزأه عندنا لما ذكرنا وعند الشافعي لا يجوز لان عدد المساكين عنده شرط ولم يوجد والله سبحانه وتعالى أعلم ( وأما ) الكسوة فالكلام فيها في ثلاثة مواضع في بيان قدرها وفي بيان صفتها وفي بيان مصرفها ( أما ) الأول فأدنى الكسوة ثوب واحد جامع لكل مسكين قميص أو رداء أو كساء أو ملحفة أو جبة أو قباء أو ازار كبير وهو الذي يستر البدن لان الله تعالى ذكر الكسوة ولم يذكر فيه التقدير فكلما يسمى لابسه مكتسيا يجزى وما لا فلا ولابس ما ذكرنا يسمى مكتسيا فيجزى عن الكفارة ولا تجزى القلنسوة والخفان والنعلان لان لابسهما لا يسمى مكتسيا إذا لم يكن عليه ثوب ولا هي تسمى كسوة في العرف وأما السراويل والعمامة فقد اختلفت الروايات فيها روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهم الله انه إذا أعطى مسكينا قباء أو كساء أو سراويل أو عمامة سابغة يجوز وروى عن أبي يوسف أنه لا تجزى السراويل والعمامة وهو رواية عن محمد في الاملاء وروى هشام رحمه الله عنه أن السراويل تجزيه وهذا لا يوجب اختلاف الرواية في العمامة لان في رواية الحسن شرط في العمامة أن تكون سابغة فتحمل رواية عدم الجواز فيها على ما إذا لم تكن سابغة وهي أن لا تكفى تقميص واحد ( وأما ) السراويل ( فوجه ) رواية الجواز تجوز فيه الصلاة فيجزى عن الكفارة كالقميص ( ووجه ) رواية عدم الجواز وهي التي صححها القدوري رحمه الله أن لابس السراويل لا يسمى مكتسيا عرفا وعادة بل يسمى عريانا فلا يدخل تحت مطلق الكسوة وذكر الطحاوي انه إذا كسا امرأة فإنه يزيد فيه الخمار وهذا اعتبار جواز الصلاة في الكسوة على ما روى عن محمد لان رأسها عورة لا تجوز صلاتها مع انكشافه ولو أعطى كل مسكين نصف ثوب لم يجزه من الكسوة ولكنه يجزى من الطعام عندنا إذا كان يساوى نصف صاع من حنطة ( أما ) عدم جوازه من الكسوة فلان الواجب هو الكسوة ونصف ثوب لا يسمى كسوة لا يجوز أن تعتبر قيمته عن كسوة رديئة لان الشئ لا يكون بدلا عن نفسه ( وأما ) جوازه عن الطعام إذا بلغ قيمته نصف صاع فلان القيمة تجوز بدلا عن الكسوة عندنا كما تجوز بدلا