السيد جعفر مرتضى العاملي
273
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
واللياقة التي تفرضها علاقة الابن بأبيه . . لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب العاطفي للعلاقات لأن علاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه بالله أقوى من أية علاقة بأي إنسان كان . وفي الصورة الثانية نشاهد إبراهيم يتطلع إلى السماء ، كما لو كان شاهدها أول مرة ، فهو - فيما توحيه الآية - يواجهها كتجربة جديدة لم يلتق بها من قبل ، وذلك فيما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحس البصري كمادة للتفكير ، للانتقال من المحسوس إلى المعقول ، ومن المادة إلى المعنى . . فقد كان يشاهدها سابقا ، في رؤية جامدة ، لا تعني له شيئا ، إلا بمقدار ما يعنيه انعكاس الصورة في العين - لمجرد تجميع الصور في الوجدان . . فيما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليومية . . وهكذا نجد أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض . . ( هي الرؤية الواعية الفاحصة المدققة التي تثير في الداخل المزيد من التأمل والحوار والاستنتاج . . بدليل قوله تعالى : ( وليكون من الموقنين . . ( ، مما يوحي بأنها الرؤية التي تبعث على القناعة من خلال اليقين . . وبدأ يفكر في استعراض عقلي للعقائد التي يعتقدها قومه في عبادتهم للكواكب والقمر والشمس . . ومحاكاة ذاتية تتحرك من أجل إثارة التساؤل . . وهكذا التقى بالكواكب المتناثرة في السماء ، في صورة بديعة في روعة التنسيق والتكوين . . فما أن لمح كوكبا يتلألأ ويشع في قلب هذا الظلام المترامي . . حتى سيطرت عليه أجواء الروعة ، واستولى على فكره الخشوع الروحي أمام هذا الشعاع الهادئ في الأفق البعيد . . فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه . . لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد ، الذي تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ولا تستطيع الخلائق أن تصل إليه أو تدرك كنهه . . ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي . . ( . . في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس ، كما لو لم يكتشفه أحد غيره . . وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد ، وفي لهفة المسحور . . وفي اندفاعة الإيمان . . وربما ردد هذه الكلمة ( هذا ربي . . ( في سره كثيراً . . ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها ليؤكدها في ذاتها . . بعيدا عن كل حالات الشك والريب . . وبدأ الليل يقترب من نهايته . . وبدأت الكواكب تشحب وتفقد لمعانها . . ثم بدأت تبهت . . وتبهت حتى غابت عن العيون . . وحاول أن يلاحقها هنا وهناك . . لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح . . وانكشفت له الحقيقة الصارخة . . فقد كان يعيش في وهم كبير . . فقد أفل الكوكب . . ولكن الإله لا يأفل لأنه القوة التي تمثل الحضور الدائم في الحياة كلها فلا يمكن أن تبتعد عن حركتها المتنوعة لأن ذلك يتنافى مع الرعاية المطلقة للكون ولما فيه