جلال الدين السيوطي
192
كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحببيب ( الخصائص الكبرى )
وحقائقها وبعث الخضر عليه السلام ليحكم بما اطلع عليه من بواطن الأمور وحقائقها ولكون الأنبياء لم يبعثوا بذلك أنكر موسى عليه قتله الغلام وقال له « لقد جئت شيئا نكرا » لأن ذلك خلاف الشرع فأجابه بأنه أمر بذلك وبعث فقال وما فعلته عن أمري وهذا معنى قوله له إنك على علم إلى أخره قال الشيخ سراج الدين البلقيني في شرح البخاري المراد بالعلم التنفيذ والمعنى لا ينبغي لك أن تعلمه لتعمل به لن العمل به مناف لمقتضى الشرع ولا ينبغي أن أعلمه فاعمل بمقتضاه لأنه مناف لمقتضى الحقيقة قال فعلى هذا لا يجوز للولي التابع للنبي صلى الله عليه وسلم إذا اطلع على حقيقة أن ينفذ ذلك بمقتضى الحقيقة وإنما أن ينفذ الحكم الظاهر انتهى وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة قال أبو حيان في تفسيره الجهور على أن الخضر نبي وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه وعلم موسى الحكم الظاهر فأشار إلى أن المراد في الحديث بالعلمين الحكم بالباطن والحكم بالظاهر لا أمر آخر وقد قال الشيخ تقي الدين السبكي إن الذي بعث به الخضر شريعة له فالكل شريعة وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أمر أولا أن يحكم بالظاهر دون ما اطلع عليه من الباطن والحقيقة كغالب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولهذا قال نحن نحكم بالظاهر وفي لفظ إنما اقضي بالظاهر والله يتولى السرائر وقال غنما أقضي بنحو ما اسمع فمن قضيته له بحق آخر فإنما هي قطعة من النار وقال للعباس أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله وكان يقبل عذر المتخلفين عن غزوة تبوك ويكل سرائرهم إلى الله وقال في تلك المرأة لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها وقال أيضا لولا القرآن لكان لي ولها شأن فهذا كله صريح في أنه يحكم بظاهر الشرع بالبينة أو الاعتراف دون ما اطلعه الله عليه من بواطن الأمور وحقائقها ثم أن الله تعالى زاده شرفا وأذن له أن يحكم بالباطن وما اطلع عليه من حقائق المور فجمع له بين ما كان للأنبياء وما كان للخضر خصوصية خصه الله بها ولم يجمع الأمران لغيره وقد قال القرطبي في تفسيره أجمع العلماء على بكرة أبيهم أنه ليس لأحد أن يقتل بعلمه إلا النبي صلى الله عليه وسلم وشاهد ذلك حديث المصلي والسارق الذين أمر بقتلهما فإنه اطلع على باطن أمرهما وعلم منهما ما يوجب القتل ولو تفطن الذين لم يفهموا إلى إستشهادي بهذين الحديثين في آخر الباب لعرفوا ان المراد الحكم بالظاهر والباطن فقط لا شيء آخر لا يقوله مسلم ولا كافر ولا مجانين المارستان وقد ذكر بعض السلف أن الخضر إلى الآن ينفذ الحقيقة وأن الذين يموتون فجأة هو الذي يقتلهم فإن صح ذلك فهو في هذه الأمة بطريق النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صار من أتباعه كما أن عيسى عليه السلام لما ينزل يحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عنه ويصير من أتباعه وأمته * ( باب كلامه صلى الله عليه وسلم لله عز وجل عند سدرة المنتهى ) * قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ومن خصائصه أن الله وكلم موسى بالطور وبالوادي المقدس وكلم نبينا صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى وجمع له بين الكلام والرؤية وبين المحبة والخلة أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال لي ربي عز وجل نحلت إبراهيم خلتي وكلمت موسى تكليما