أبي بكر الكاشاني

195

بدائع الصنائع

الدم لا يدر في جميع الأوقات بل في وقت دون وقت واحتمال الدرور في وقت الحيض قائم فإذا لم يجعل ذلك الطهر عدة لا يلزمنا التناقض وأما الممتد طهرها وهي امرأة كانت تحيض ثم ارتفع حيضها من غير حمل ولا يأس فانقضاء عدتها في الطلاق وسائر وجوه الفرق بالحيض لأنها من ذات الأقراء الا أنه ارتفع حيضها لعارض فلا تنقضي عدتها حتى تحيض ثلاث حيض أو حتى تدخل في حد الإياس فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر وهو مذهب على وعثمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم وروى عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنها تمكث تسعة أشهر فإن لم تحض اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك وهو قول مالك واحتجوا بقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر نقل الله العدة عند الارتياب إلى الأشهر والتي ارتفع حيضها فهي مرتابة فيجب أن تكون عدتها بالشهور والجواب أنه ليس المراد من الارتياب المذكور هو الارتياب في اليأس بل المراد منه ارتياب المخاطبين في عدة الآيسة قبل نزول الآية كذا روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الله تعالى لما بين لهم عدة ذات القروء وعدة الحامل شكوا في الآيسة فلم يدروا ما عدتها فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي الآية ما يدل عليه فإنه قال واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ولا يأس مع الارتياب إذ الارتياب يكون وقت رجاء الحيض والرجاء ضد اليأس وكذا قال سبحانه ان ارتبتم ولو كان المراد منه الارتياب في الإياس لكان من حق الكلام أن يقول إن ارتبن فدل أنه سبحانه وتعالى أراد به ما ذكرنا والله عز وجل أعلم وأما عدة الأشهر فالكلام فيها في موضعين أيضا في بيان مقدارها وما تنقضي به وفي بيان كيفية ما يعتبر به الانقضاء أما الأول فما وجب بدلا عن الحيض وهو عدة الآيسة والصغيرة والبالغة التي لم تر الحيض أصلا فثلاثة أشهر إن كانت حرة لقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ولان الأشهر في حق هؤلاء تدل على الأقراء والأصل مقدر بالثلاث كذا البدل سواء وجبت الفرقة بطلاق أو بغير طلاق في النكاح الصحيح لعموم النص أو وجبت بالفرقة في النكاح الفاسد أو بالوطئ عن شبهة لما ذكرنا في عدة الأقراء وكذا إذا وجبت على أم الولد بالعتق أو بموت المولى عندنا خلافا للشافعي وإن كانت أمة فشهر ونصف لان حكم البدل حكم الأصل وقد تنصف المبدل فيتنصف البدل ولان الرق متنصف والتكامل في عدة الأقراء ثبت لضرورة عدم التجزي والشهر متجزئ فبقي الحكم فيه على الأصل ولهذا تتنصف عدتها في الوفاة وسواء كان زوجها حرا أو عبدا لما ذكرنا ان المعتبر في العدة جانب النساء وسواء كانت قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة عند أبي حنيفة لما ذكرنا في مدة الأقراء وكذا إذا وجبت على أم الولد بالعتق أو بموت المولى عندنا خلافا للشافعي وما وجبت أصلا بنفسه وهو عدة المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشر وقيل إنما قدرت هذه العدة بهذه المدة إن كانت حرة لقوله عز وجل والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وقيل إنما قدرت هذه العدة بهذه المدة لان الولد يكون في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم ينفخ فيه الروح في العشر فأمرت بتربص هذه المدة ليستبين الحبل إن كان بها وإن كانت أمة فشهران وخمسة أيام لما بينا بالاجماع سواء كانت قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة عند أبي حنيفة والمسلمة والكتابية سواء كان في مقدار هاتين العدتين الحرة كالحرة والأمة كالأمة لان ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بينهما وانقضاء هذه العدة بانقضاء هذه المدة في الحرة والأمة ( وأما الثاني ) وهو بيان كيفية ما يعتبر به انقضاء هذه العدة فجملة الكلام فيه أن سبب وجوب هذه العدة من الوفاة والطلاق ونحو ذلك إذا اتفق في غرة الشهر اعتبرت الأشهر بالأهلة وان نقصت عن العدد في قول أصحابنا جميعا لان الله تعالى أمر بالعدة بالأشهر بقوله عز وجل فعدتهن ثلاثة أشهر وقوله عز وجل أربعة أشهر وعشرا فلزم اعتبار الأشهر والشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما بدليل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابع يديه كلها ثم قال الشهر هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وحبس ابهامه في المرة الثالثة وإن كانت الفرقة في بعض الشهر