أبي بكر الكاشاني

188

بدائع الصنائع

يحرم الميراث لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة ان عمومات النكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الاحلال أو لا فكان النكاح بهذا الشرط نكاحا صحيحا فيدخل تحت قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره فتنتهي الحرمة عند وجوده الا أنه كره النكاح بهذا الشرط لغيره وهو أنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو السكن والتوالد والتعفف لان ذلك يقف على البقاء والدوام على النكاح وهذا والله أعلم معنى الحاق اللعن بالمحلل في قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له وأما الحاق اللعن بالزوج الأول وهو المحلل له فيحتمل أن يكون لوجهين أحدهما أنه سبب لمباشرة الزوج الثاني هذا النكاح لقصد الفراق والطلاق دون الابقاء وتحقيق ما وضع له والمسبب شريك المباشر في الاسم والثواب في التسبب للمعصية والطاعة والثاني أنه باشر ما يفضى إلى الذي تنفر منه الطباع السليمة وتكرهه من عودها إليه من مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها وهو الطلقات الثلاث إذ لولاها لما وقع فيه فكان الحاقه اللعن به لأجل الطلقات والله عز وجل أعلم وأما قول أبى يوسف ان التوقيت في النكاح يفسد النكاح فنقول المفسد له هو التوقيت نصا ألا ترى أن كل نكاح مؤقت فإنه يتوقت بالطلاق وبالموت وغير ذلك ولم يوجد التوقيت نصا فلا يفسد وقول محمد انه استعجال ما أجله الله تعالى ممنوع فان استعجال ما أجله الله تعالى لا يتصور لان الله تعالى إذا ضرب لأمر أجلا لا يتقدم ولا يتأخر فإذا طلقها الزوج الثاني تبين ان الله تعالى أجل هذا النكاح إليه ولهذا قلنا إن المقتول ميت بأجله خلافا للمعتزلة ومنها الدخول من الزوج الثاني فلا تحل لزوجها الأول بالنكاح الثاني حتى يدخل بها وهذا قول عامة العلماء وقال سعيد بن المسيب تحل بنفس العقد واحتج بقوله تعالى فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والنكاح هو العقد وإن كان يستعمل في العقد والوطئ جميعا عند الاطلاق لكنه يصرف إلى العقد عند وجود القرينة وقد وجدت لأنه أصاف النكاح إلى المرأة بقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره والعقد يوجد منها كما يوجد من الرجل فاما الجماع فإنه يقوم بالرجل وحده والمرأة محله فانصرف إلى العقد بهذه القرينة فإذا وجد العقد تنتهى الحرمة بظاهر النص ولنا قوله تعالى فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والمراد من النكاح الجماع لان النكاح في اللغة هو الضم حقيقة وحقيقة الضم في الجماع وإنما العقد سبب داعى إليه فكان حقيقة للجماع مجازا للعقد مع ما انا لو حملناه على العقد لكان تكرارا لان معنى العقد يفيده ذكر الزوج فكان الحمل على الجماع أولى بقي قوله إنه أضاف النكاح إليها والجماع مما تصح اضافته إلى الزوجين لوجود معنى الاجتماع منهما حقيقة فأما الوطئ ففعل الرجل حقيقة لكن إضافة النكاح إليها من حيث هو ضم وجمع لا من حيث هو وطئ ثم إن كان المراد من النكاح في الآية هو العقد فالجماع يضمر فيه عرفنا ذلك بالحديث المشهور وضرب من المعقول أما الحديث فما روينا عن عائشة رضي الله عنه ا ان رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إن رفاعة طلقني وبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير ولم يكن معه الا مثل هدبة الثوب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك وعن ابن عمر وأنس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ولم يذكر قصة امرأة رفاعة وهو ما روى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل وهو على المنبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها غيره فأغلق الباب وأرخى الستر وكشف الخمار ثم فارقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر وأما المعقول فهو ان الحرمة الغليظة إنما تثبت عقوبة للزوج الأول بما أقدم على الطلاق الثلاث الذي هو مكروه شرعا زجرا ومنعا له عن ذلك لكن إذا تفكر في حرمتها عليه الا بزوج آخر الذي تنفر منه الطباع السليمة وتكرهه انزجر عن ذلك ومعلوم ان العقد بنفسه لا تنفر عنه الطباع ولا تكرهه إذ لا يشتد على المرأة مجرد النكاح ما لم يتصل به الجماع فكان الدخول شرطا فيه ليكون زجرا له ومنعا عن ارتكابه فكان الجماع مضمرا في الآية الكريمة كأنه قال عز وجل حتى تنكح زوجا غيره