أبي بكر الكاشاني

181

بدائع الصنائع

مواضع في بيان شرعية الرجعة وفي بيان ماهيتها وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط جواز الركن أما الأول فالرجعة مشروعة عرفت شرعيتها بالكتاب والسنة والاجماع والمعقول أما الكتاب العزيز فقوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن أي رجعتهن وقوله تعالى إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وقوله تعالى الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان والامساك بالمعروف هو الرجعة وأما السنة فما روينا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته في حالة الحيض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه مر ابنك يراجعها الحديث وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلق حفصة رضي الله عنها جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال له راجع حفصة فإنها صوامة قوامة فراجعها وكذا روى أنه صلى الله عليه وسلم طلق سودة بنت زمعة رضي الله عنها ثم راجعها وعليه الاجماع وأما المعقول فلان الحاجة تمس إلى الرجعة لان الانسان قد يطلق امرأته ثم يندم على ذلك على ما أشار الرب سبحانه وتعالى جل جلاله بقوله لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فيحتاج إلى التدارك فلو لم تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك لما عسى لا توافقه المرأة في تجديد النكاح ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا وأما بيان ماهية الرجعة فالرجعة عندنا استدامة الملك القائم ومنعه من الزوال وفسخ السبب المنعقد لزوال الملك وعند الشافعي هي استدامة من وجه وانشاء من وجه بناء على أن الملك عنده قائم من وجه زائل من وجه وهو عندنا قائم من كل وجه وعلى هذا ينبنى ان الشهادة ليست بشرط لجواز الرجعة عندنا وعنده شرط وجه البناء ان الشهادة شرط ابتداء العقد وانشائه لا شرط البقاء والرجعة استيفاء العقد عندنا فلا يشترط له الشهادة وعنده هي استيفاء من وجه وانشاء من وجه فيشترط لها الشهادة من حيث هي انشاء لا من حيث هي استيفاء فصح البناء ثم الكلام فيه على وجه الابتداء احتج الشافعي بقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم فظاهر الامر وجوب العمل فيقتضى وجوب الشهادة ولنا نصوص الرجعة من الكتاب والسنة مطلقة عن شرط الاشهاد الا أنه يستحب الاشهاد عليها إذ لو لم يشهد لا يأمن من أن تنقضي العدة فلا تصدقه المرأة في الرجعة ويكون القول قولها بعد انقضاء العدة فندب إلى الاشهاد لهذا وعلى هذا تحمل الآية الكريمة وفي الآية ما يدل عليه لأنه سبحانه وتعالى قال فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف جمع بين الفرقة والرجعة أمر سبحانه بالاشهاد بقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم ومعلوم ان الاشهاد على الفرقة ليس بواجب بل هو مستحب كذا على الرجعة أو تحمل على هذا توفيقا بين النصوص بقدر الامكان وكذا لا مهر في الرجعة ولا يشترط فيها رضا المرأة لأنها من شرائط ابتداء العقد لا من شرط البقاء وكذا اعلامها بالرجعة ليس بشرط حتى لو لم يعلمها بالرجعة جازت لان الرجعة حقه على الخلوص لكونه تصرفا في ملكه بالاستيفاء والاستدامة فلا يشترط فيه اعلام الغير كالإجازة في الخيار لكنه مندوب إليه ومستحب لأنه إذا راجعها ولم يعلمها بالرجعة فمن الجائز انها تتزوج عند مضى ثلاث حيض ظنا منها ان عدتها قد انقضت فكان ترك الاعلام فيه تسببا إلى عقد حرام عسى فاستحب له أن يعلمها ولو راجعها ولم يعلمها حتى أنقضت مدة عدتها وتزوجت بزوج آخر ثم جاء زوجها الأول فهي امرأته سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل ويفرق بينها وبين الثاني لان الرجعة قد صحت بدون علمها فتزوجها الثاني وهي امرأة الأول فلم يصح وعلى هذا تبنى الرجعة بالفعل بان جامعها انها جائزة عندنا وعند الشافعي لا يجوز الرجعة الا بالقول وجه البناء على هذا الأصل ان الرجعة عنده انشاء النكاح من وجه وانشاء النكاح من كل وجه لا يجوز الا بالقول فكذا انشاؤه من وجه وعندنا هي استدامة النكاح من كل وجه فلا تختص بالقول ويبنى أيضا على حل الوطئ وحرمته وجه البناء ان الوطئ لما كان حلالا عندنا فإذا وطئها فلو لم يجعل الوطئ دلالة الرجعة وربما لا يراجعها بالقول بل يتركها حتى تنقضي عدتها فيزول الملك عند انقضاء العدة بالطلاق السابق لأنه لا فعل منه الا ذلك فيزول الملك مستندا إلى وقت وجود الطلاق فتبين ان الملك كان زائلا من وقت الطلاق من وجه فيظهر ان الوطئ كان حراما فجعل الاقدام على الوطئ دلالة الرجعة صيانة له عن الحرام