أبي بكر الكاشاني

157

بدائع الصنائع

الا ثلاثا الا واحدة تقع واحدة والأصل في مسائل الاستثناء من الاستثناء ان لتخريجها طريقين أحدهما انه ينظر إلى الاستثناء الأخير فيجعل استثناء مما يليه ثم ينظر إلى ما بقي منه فيجعل ذلك استثناء مما يليه هكذا إلى الاستثناء الأول ثم ينظر إلى الباقي من الاستثناء الأول فيستثنى ذلك القدر من الجملة الملفوظة فما بقي منها فهو الواقع فإذا قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا واحدة يستثنى الواحدة من الثلاثة يبقى اثنتان يستثنيهما من الثلاثة فتبقى واحدة كأنه قال أنت طالق ثلاثا الا اثنتين فان قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا اثنتين يقع اثنتان لأنك تستثنى الاثنتين من الثلاثة فتبقى واحدة تستثنيها من الثلاثة فيبقى اثنتان فان قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا اثنتين الا واحدة يقع واحدة لأنك تستثنى الواحدة من اثنتين فيبقى واحدة تستثنيها من الثلاث فيبقى اثنتان تستثنيهما من الثلاث فيبقى واحدة هي الواقع وكذلك إذا قال أنت طالق عشرا الا تسعا الا ثمانيا انك تستثنى ثمانيا من تسع فبقي واحدة تستثنيها من العشر فيبقى تسع كأنه قال أنت طالق تسعا فيقع ثلاث فان قال أنت طالق عشرا الا تسعا الا واحدة يقع ثنتان لأنك إذا استثنيت الواحدة من التسع يبقى ثمانية تستثنيها من العشر فيبقى اثنتان كأنه قال أنت طالق عشرا الا ثمانيا وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه والثاني يرجع إلى عقد اليد وهو أن تعقد العدد الأول بيمينك والثاني بيسارك والثالث تضمه إلى ما في يمينك والرابع بيسارك تضمه إلى ما بيسارك ثم تطرح ما اجتمع في يسارك من جملة ما اجتمع في يمينك فما بقي في يمينك فهو الواقع والله أعلم * وأما مسائل النوع الثاني من الاستثناء وهو تعليق الطلاق بمشيئة الله عز وجل فنقول إذا علق طلاق امرأته بمشيئة الله يصح الاستثناء ولا يقع الطلاق سواء قدم الطلاق على الاستثناء في الذكر بان قال أنت طالق إن شاء الله أو أخره عنه بان قال إن شاء الله تعالى فأنت طالق وهذا قول عامة العلماء وقال مالك لا يصح الاستثناء والطلاق واقع وعلى هذا تعليق العتق والنذر واليمين بمشيئة الله سبحانه وتعالى وجه قوله إن هذا ليس تعليقا بشرط لان الشرط ما يكون معدوما على خطر الوجود ومشيئة الله تعالى أزلية لا تحتمل العدم فكان هذا تعليقا بأمر كائن فيكون تحقيقا لا تعليقا كما لو قال أنت طالق إن كانت السماء فوقنا ولنا قوله عز وجل خبرا عن موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ستجدني إن شاء الله صابرا وصح استثناؤه حتى لم يصر بترك الصبر مخلفا في الوعد ولولا صحة الاستثناء لصار مخلفا في الوعد بالصبر والخلف في الوعد لا يجوز والنبي معصوم وقال سبحانه وتعالى ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله أي الا أن تقول إن شاء الله ولو لم يحصل به صيانة الخبر عن الخلف في الوعد لم يكن للامر به معنى وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بطلاق أو عتاق وقال إن شاء الله فلا حنث عليه وهذا نص في الباب وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال من استثنى فله ثنياه ولان تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى تعليق بما لا يعلم وجوده لأنا لا ندري انه شاء وقوع هذا الطلاق أو لم يشأ على معنى ان وقوع هذا الطلاق هل دخل تحت مشيئة الله تعالى أو لم يدخل فان دخل وقع وان لم يدخل لا يقع لان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلا يقع بالشك وبه تبين ان هذا ليس تعليقا بأمر كائن ولان دخول الوقوع تحت مشيئة الله تعالى غير معلوم وهذا هو تفسير تعليق الطلاق بمشيئة الله عز وجل ومن الناس من فرق بين الطلاق والعتاق فقال لا يقع الطلاق ويقع العتاق وزعم بأنه لم توجد المشيئة في الطلاق ووجدت في العتاق لان الطلاق مكروه الشرع والعتق مندوب إليه وهذا هو مذهب المعتزلة ان إرادة الله تعالى تتعلق بالقرب والطاعات لا بالمكان والمعاصي وان الله تعالى أراد كل خير وصلاح من العبد ثم العبد قد لا يفعله لسوء اختياره وبطلان مذهبهم يعرف في مسائل الكلام ثم إنهم ناقضوا حيث قالوا فيمن حلف فقال لأصومن غدا إن شاء الله تعالى أو قال لأصلين ركعتين أو لأقضين دين فلان فمضى الغد ولم يفعل شيئا من ذلك أنه لا يحنث ولو شاء الله تعالى كل خير لحنث لأن هذه الأفعال خيرات وقد شاءها عندهم وكذلك لو قال أنت طالق لو شاء الله تعالى أو قال إن لو يشاء الله تعالى لما قلنا وكذا لو قال الا أن يشاء الله لان معناه الا أن يشاء الله أن لا يقع ذلك وذلك غير معلوم وكذا لو قال ما شاء الله تعالى لان معناه الذي شاءه الله تعالى ولو قال أنت