أبي بكر الكاشاني

127

بدائع الصنائع

امرأته واحدة أو اثنتين ثم تزوجت بزوج آخر ودخل بها وعادت إلى الأول انها تعود بثلاث تطليقات في قولهما وفي قول محمد تعود بما بقي وهو قول زفر ولقب المسألة أن الزوج الثاني هل يهدم الطلقة والطلقتين عندهما يهدم وعند محمد لا يهدم والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روى عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن عمر رضي الله عنهم مثل مذهب أبي حنيفة وأبى يوسف وروى عن عمر وأبي بن كعب وعمران بن حصين مثل مذهب محمد وزفر واحتجا بقوله سبحانه وتعالى الطلاق مرتان إلى قوله فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره حرم المطلقة الثلاث مطلقا من غير فصل بين ما إذا تخللت إصابة الزوج الثاني الثلاث وبين ما إذا لم يتخللها وهذه مطلقة الثلاث حقيقة لأن هذه طلقة قد سبقها طلقتان حقيقة والطلقة الثالثة هي الطلقة التي سبقها طلقتان فدخلت تحت النص ولان الزوج الثاني جعل في الشرع منهيا للحرمة لقوله تعالى فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وحتى كلمة غاية وغاية الحرمة لا تتصور قبل وجود الحرمة والحرمة لم تثبت قبل الطلقات الثلاث فلم يكن الزوج الثاني منهيا للحرمة فيلحق بالعدم ولأبي حنيفة وأبى يوسف النصوص والمعقول اما النصوص فالعمومات الواردة في باب النكاح من نحو قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله عز وجل وأنكحوا الأيامى منكم وقول النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجوا ولا تطلقوا فان الطلاق يهتز له عرش الرحمن فهذه النصوص وأمثالها تقتضي جواز النكاح من غير فصل بين أن تكون المرأة مطلقة أو لا وبين أن تكون مطلقة ثلاثا تخللها إصابة الزوج الثاني أولا الا ان المطلقة الثلاث التي لم يتخللها إصابة الزوج الثاني خصت عن النصوص فبقي ما وراءها تحتها وأما المعقول فمن وجهين أحدهما ان النكاح مندوب إليه ومسنون وعقد ومصلحة لتضمنه مصالح الدين والدنيا فلا يجوز ان يمنع عنه لأنه يؤدى إلى التناقض لان قطع المصلحة مفسدة والشريعة منزهة عن التناقض الا انه قد يخرج من أن يكون مصلحة بمخالفة الأخلاق ومباينة الطباع أو غير ذلك من المعاني ويقع اليأس عن استيفاء المصالح من هذه المرأة فشرع الطلاق لاستيفاء المصالح المطلوبة من النكاح من زوجة أخرى الا ان خروج النكاح من أن يكون مصلحة لا يعرف الا بالتأمل والتجربة ولهذا فوض الطلاق إلى الزوج لاختصاصه بكمال الرأي والعقل ليتأمل فإذا طلقها ثلاثا على ظن المخالفة ثم مال قلبه إليها حتى تزوجها بعد إصابة الزوج الثاني الذي هو في غاية النفار في طباع الفحل ونهاية المنع دل أن طريق الموافقة بينهما قائم وانه أخطأ في التجربة وقصر في التأمل فبقي النكاح مصلحة لقيام الموافقة بينهما فلا يجوز القول بحرمته كما في ابتداء النكاح بل أولى لان ثمة لم يوجد الا دليل أصل الموافقة وههنا وجد دليل كمال الموافقة وهو الميل إليها مع وجود ما هو النهاية في النفرة ثم لما حل نكاحها في الابتداء لتحقيق المقاصد فبعد إصابة الزوج الثاني أولى وهذا المعنى لا يوجب التفرقة بين إصابة الزوج الثاني بعد الطلقات الثلاث وبين ما قبلها فورود الشرع بجواز النكاح ثمة يكون ورودا ههنا دلالة والثاني أن الحل بعد إصابة الزوج الثاني وطلاقه إياها وانقضاء عدتها حل جديد والحل الجديد لا يزول الا بثلاث طلقات كما في ابتداء النكاح والدليل على أن هذا حل جديد ان الحل الأول قد زال حقيقة لأنه غرض لا يتصور بقاؤه الا انه إذا لم يتخلل بين الحلين حرمة يجعل كالدائم بتجدد أمثاله فيكون كشئ واحد فكان زائلا حقيقة وتقديرا فكان الثاني حلا جديدا والحل الجديد لا يزول الا بثلاث تطليقات كما في ابتداء النكاح وأما في قوله تعالى فان طلقها فنقول هذه الآية الكريمة تتناول طلقة ثالثة مسبوقة بطلقتين بلا فصل لان الفاء للتعقيب بلا فصل وإصابة الزوج الثاني ههنا حاصلة فلا يتناولها أو تحمل الآية على ما إذا لم يدخل بها الزوج الثاني حتى طلقها وتزوجها الأول وطلقها واحدة توفيقا بين الدلائل وأما قوله بان الشرع جعل إصابة الزوج الثاني غاية للحرمة فنقول كون الإصابة غاية للحرمة يقتضى انتهاء الحرمة عند عدم الإصابة وقد بينا انه يثبت حل جديد بعد الإصابة ولو قال لامرأته ان دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا فطلقها ثلاثا قبل الدخول وتزوجت بزوج بها ثم عادت إلى الأول فدخلت الدار لا يقع عليها شئ عند علمائنا الثلاثة وعند زفر يقع عليها ثلاث تطليقات وجه قوله إن المعلق طلقات مطلقة لا مقيدة